عمار علي حسن
(1)
حسناً فعل النائب العام.. بمنع النشر في قضية المرحومة «بسنت سليمان»؛ فكثير من الناس قساة.. لا يعذرون، وجهلاء.. لا يدركون أي شيء عن مرض أو اضطراب «الاكتئاب الانتحاري»؛ فهذه مسألة يفصل فيها أطباء نفسيون، وليس فقهاء ولا دعاة ولا متصوفة ولا قساوسة أو لاهوتيين، وليس بالطبع هواة الثرثرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
أعرف أن هناك من تناولوا الأمر بشفقة أو تعجب، ومن ربطوا هذه الواقعة الأليمة بسياقها العام، لكن يظل التناول – حتى لو كان رحيماً – لا يتفادى.. في الغالب الأعم، النبش في أسرار، والتعجب من أحوال.
لقد قرأت – قبل سنوات طويلة – كتاب «الاكتئاب.. اضطراب العصر الحديث» للدكتور عبد الستار إبراهيم. وقبل 5 سنوات، قرأت تجربة الكاتب الأمريكي «وليام ستيرون»؛ التي سجلها في كتاب «ظلام مرئي.. مذكرات الجنون». الكتابان يُظهران – بوضوح – أن الاكتئاب العميق، والاكتئاب الانتحاري.. الذي يذهب معه المرء إلى قتل نفسه؛ تحت طائلة قهر نفسي.. أقوى من أن يصرفه، أعقد من أن يتناوله الناس بهذه الخفة، ويدخلوه بكل سهولة في دائرة الحلال والحرام.
إن كل ما ورد – من آيات وأحاديث – عن حرمة قتل النفس أو الغير.. لفقر أو يأس، فيه اشتراط امتلاك المرء إرادة القتل. لكن مع الاكتئاب الانتحاري.. يفقد المرء إرادته؛ بما فيها إرادة الموت. إنما هو يذهب إليه.. مأخوذاً أخذاً، بفعل إفرازات كيميائية في المخ، ليس المرء مسؤولاً عنها، وهذه مسألة يفصل فيها الأطباء.
ولننظر هنا، كيف تراجعنا إلى الخلف. فقد كان علماء الأزهر في القرون الوسطى.. يحيلون مدَّعي النبوة – أو حتى من قالوا رأينا الله – إلى أطباء نفسيين.. بالبيمارستان المنصوري، ولا يتهمونهم بالكفر.
علينا أن نساعد في علاج هؤلاء ونطلبه من الدولة والمجتمع، لا أن نجلدهم، ونخوض في سمعتهم.
(2)
«الأكذب في التاريخ البشري».. يمكن أن يصلح هذا عنواناً.. يلخص ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، حيث وثق مدققو الحقائق بها.. 30573 تصريحاً كاذباً أو مضللاً – خلال ولايته الرئاسية الأولى – بمعدل 21 تصريحاً يومياً.
إن كذب «ترامب» غير مسبوق في السياسة الأمريكية، واعتبروا تكرار الأكاذيب سمة مميزة.. لهويته التجارية والسياسية.
(3)
«ترامب» يحاصر العالم.. لصالح إيران. فحاصره يجعل أمريكا مسبباً رئيسياً للأزمة الاقتصادية في العالم. سلوكه هذا.. استفز الصين، التي لا يمكنها أن تترك قراصنة «ترامب».. يمنعون النفط الإيراني عنها. ذكَّرني هذا المجنون.. بسلفه «بوش الإبن»، حين أسقط نظام «صدام حسين». كتبت بعدها مقالاً في صحيفة «الحياة» – التي كانت تصدر في لندن باللغة العربية – كان عنوانه: «أحلام الخميني حققها له بوش.. والعراق يدفع الثمن».
حقاً، ما دخل رعاة البقر في شيء إلا أفسدوه.
(4)
لماذا لا يقوم المقربون من «ترامب» بمصارحته، بأنه في حاجة ماسة إلى مراجعة طبيب للأمراض النفسية والعصبية؟
زوجته وابنته وصهره.. يعبدون المال مثله، لكنهم – على الأقل – يفعلون هذا بوعي الشياطين، فلماذا يتركونه سادراً في خبله، ولا يقنعونه بتلقي علاج.. رحمة به وبهم وبالعالم كله؟ أين المؤسسات الأمريكية – التي حين تنبهت إلى أن الرئيس الأسبق «ريتشارد نيكسون» مصاب بالفصام.. قامت بإبعاده في هدوء عن القرار؟
المرض النفسي ليس عاراً لكنه قد يكون خطراً، وحالة «ترامب» تؤكد أن ترك القرار والزر النووي في يده.. أشد من الخطر؟ في الفترة الأولى لـ«ترامب»، فقدت الولايات المتحدة صورتها. وفي سنة واحدة من فترته الثانية فقدت هيبتها.
أتصور أنها ستبدأ بعد قليل.. فقداناً تدريجياً لتسيدها المالي عبر الدولار.
(5)
فقدت الحياة الثقافية قبل 3 أيام، المثقف البارع والمترجم القدير «كامل يوسف حسين». حصل الرجل – رحمة الله عليه – على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في 1971، وماجستير العلوم السياسية من الكلية ذاتها في 1979. زميل دفعته د. محمد مجاهد الزيات، قال لي.. إنه كان زميله في الكلية والمدينة الجامعية، وكان واسع الاطلاع، لا يكف عن القراءة، وحين انتقل حسين للعمل بصحيفة «البيان» الإماراتية، زاره الزيات هناك.. فوجد الصحفيين والعاملين بالجريدة يطلقون عليه لقب «الأستاذ»، ما إن يقال «الأستاذ»، حتى يكون الكل على معرفة بأن المقصود هو كامل يوسف حسين.
والرجل مؤلف ومترجم ومراجع لـ 80 كتاباً؛ أبرزها: رباعية «بحر الخصب» ليوكيو ميشيما، و«حكاية جينجي» لموراساكي شيكيبو، و«الاغتراب» لريتشارد شاخت، و«الموت في الفكر الغربي» لجاك شورون، و«الفكر الشرقي القديم» لجون كولر. وهو عضو لجنة التحكيم في جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2006، ولجنة التحكيم في حقل الترجمة بجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2007، وعضو هيئة تحرير مجلة «شؤون أدبية» الصادرة عن اتحاد كتاب الإمارات، وحاصل على جائزة العويس للإبداع عام 2016، ومدرب ورشة الترجمة في برنامج دبي الدولي للكتابة.
(6)
«السجن.. مفيش في السجن زمن، والوقت.. ملوش في السجن تمن« هكذا يقول أحمد فؤاد نجم، واصفاً الإحساس بالأيام داخل الزنازين، ثم يكمل: «أيام بتمر وليل بيجر نهار ويعدي وإحنا في دوامة والأفكار بتجيب بتودي». هذه الأفكار، وهي هنا الهموم الثقيلة، مع سوء الرعاية بشتى جوانبها، تضني الجسد والنفس، وإن لم تكسر عند البعض الروح والإرادة.
ها هو «شريف الروبي»، قبل السجن وبعده. دخل في شباب وعاد في شيب، لكنني حين هاتفته.. لأطمئن عليه، وجدته – ورغم كل شيء – على صبره واحتسابه، بروح لا تزال وثابة، وإرادة لم تنكسر.
نقلاً عن «المصري اليوم«