عادل نعمان
اسمحوا أن أبدأ مقالي هذا بجريمة قتل وقعت أحداثها في مدينتي.. الكردي بمحافظة الدقهلية، هذه المدينة الساكنة الهادئة.. التي تربيت بين جنباتها على الود والاحترام، وأظنه قد اختفى وتوارى، فقد اعتدى شاب أهوج أرعن.. على طالبٍ بكلية الحاسبات والمعلومات وأرداه قتيلاً، بعد أن وجَّه إليه سيلاً من الطعنات.. أثناء جلوسه على أحد مقاهي المدينة، يقال على خلفية رسائل على الواتس بينه وبين أخت الجاني، والضحية وحيد أبويه.
واسمحوا أيضاً أن أذهب إلى مدينة بورسعيد، لنشهد إعدام الابنة قاتلة أمها – هي (الإبنة) وشريكها -بالساطور. المفجع، أن الأم وهي تواجه طعنات الموت – من عشيق الإبنة – طلبت شربة ماء، ورفضت ابنتها.. حتى لفظت الأم أنفاسها الأخيرة.. «ظمأى» تتلوَّى من شدة العطش، وغدر الابنة العاق. كان هذا.. على خلفية حب فاجر متبادل، رأته الأم رأي العين.. بين الابنة وشريكها القاتل.
في الأمس القريب، شاب في مدينة دكرنس.. يلقى مصرعه على يد شقيقته الكبرى – بنت أمه وأبيه – طعناً بالسكين، وباب الشعرية تشهد ذبح «أم ضاضا» على يد صديق ابنها.. لخلاف قديم. وهذا شاب سيئ السمعة، يقتل أستاذاً جامعياً طيبا..يسعى بين الناس في الخير، ويقضي حوائج الناس.. طعناً بالسكين، داخل منزله في مدينة تلا بالمنوفية. وجهاد تلقى مصرعها.. على يد طليقها، بعد أن تمكنت من شقة الزوجية.. بحكم من المحكمة، انتقاماً منها.. بعد أن أغلقتها وعاشت في شقة أسرتها. وكذلك، عاطل مدمن «الآيس»، يشعل النار في والديه في بولاق الدكرور.. حين رفضا تقديم المال له لشراء المخدر، والبقية تأتي.
… المذابح كثيرة، والموت أصبح سهلاً ومباحاً، ومتاحاً من قتل الغريب إلى القريب، حتى وصلنا إلى ذوي القربى والأرحام وفلذات الأكباد، وإلى الانتحار بالأسرة.. يداً بيد مرة واحدة، والانتقام والعقاب تجاوزا الحد، وخرجا عن سيطرة العقول. ما يثير الدهشة أن معظم جرائم القتل لأسباب تافهة، وقد أطلق عليها علماء الاجتماع «ظاهرة القتل السهل». فإذا أضفنا لهذه الظاهرة، جرائم القتل الأسري، كقتل الأبناء والآباء والأمهات، تصبح «ظاهرة القتل الأسري السهل» هذه الظاهرة – التي الحيوانات المفترسة تتوارى من هولها.. حياءً وخجلاً – أضحت للأسف.. حقيقة لا ينقصها إلا أن نضع يافطة على الأبواب، تحذر «احترسوا من الغريب والقريب».
الأسباب كثيرة ومعلومة.. للصغير قبل الكبير، ولست بمصدق أن هذه الأسباب والدوافع.. بعيدة عن إحاطة وإدراك المسؤولين، والمراكز البحثية المتخصصة وأولي الأمر، حتى نضع حلولاً لهذه الظاهرة.. التي أضحت خطراً على الجميع، وعلى الرقاب. نسمع من يقول.. هذا نتاج التكدس والزحام، وكأن الناس تتحرك في صندوق ضيق مغلق، ويطلقون عليها «ثقافة الزحمة»، وما يصاحبها من ضيق الأفق والصدر والصبر، ومنهم من يرى ضياع الحقوق وغياب العدالة، وانعدام الثقة في رد الحقوق.. لطول أمد التقاضي. كل ذلك، يؤدي إلى تفكيك المجتمع وانتشار الظلم، ويرى الكثير أن الانتقام الفوري – في حينه وأوانه – هو السبيل الوحيد لرد الحقوق دون انتظار!!
أما التربية، فلا تقل عنها خيراً؛ الأسرة قد غابت ،وتغافلت عن تربية أبنائها، وأصبح الأب والأم في مشاغل جمة.. أبعدتهم عن الأولاد والتواصل معهم، والمدرسة لم يعد من مهامها التربية، وانهمك المدرسون في الدروس الخصوصية وجمع المال، وتغافلوا عن المهام والمسؤوليات المفروضة عليهم والمكلفون بها، والبرامج التليفزيونية والدراما قد زادت الأمر سوءاً، وكرست نفسها للربح فقط؛ فباعت بضاعتها الفاسدة العطنة، وأصبح دورنا تعظيم دور الفاسد، وتقدير دور البلطجي، وتفخيم وتبجيل شخصية المنحرف. والأدهى، أنهم اتخذوهم قدوة ومثلاً ونموذجاً يرتجى. أما المؤسسات المسؤولة الرسمية، فقد أحاطوها بطبقة من المحظوظين الموالين، وانعزلوا عن المجتمع، واعتزلوا مشاكله وعقده. أما المراكز البحثية والجامعات، فهي تكتفي بحفظ ملفات الدراسات والأبحاث على الأرفف.. دون توجيه. هذه الجزر المنعزلة.. قد أصابها العجز والشلل.
وأهمس.. أن الضغوط الاقتصادية أحد أهم الأسباب التي تؤجج الصراع، وتفتح أبواب الغل والتشفي. وأن الإنجاز العام، أو النجاحات الرقمية الورقية.. ليست حصناً لتأمين حال المجتمع، ومنعه من الانحراف والفساد، بل الحصن الحصين.. هو حال المواطن، واستقراره هو وأسرته.. اقتصادياً ومعيشياً، ولا يتنصل أحد من المسؤولية؛ كلنا مقصرون ومتهاونون ومتقاعسون، فلا يعفي أحدنا نفسه من هذا الذنب.. أسرة، ومدرسة، ودولة بمؤسساتها، ولها في هذا النصيب الأوفى، فعلى قدر السلطة تكون المسؤولية، وعلى قدر الصلاحيات يكون العقاب، وعلى قدر الولاية والنفوذ يكون الجزاء.
أيها السادة الأفاضل المذكورون أعلاه، استقيموا.. هذا جرس الإنذار الأخير..
«الدولة المدنية هي الحل».
نقلاً عن «المصري اليوم»