د. أحمد يوسف أحمد
استعرض المقال السابق.. ذروة العصف بالقانون الدولي؛ من الإبادة الجماعية، إلى الاعتداءات على الشرعية، إلى أعمال العدوان السافرة. وأُضيف هنا.. العمل الذي أُعلن عنه بعد كتابة المقال، وهو مواصلة إثيوبيا تصرفاتها الأحادية بشأن مياه النيل، ما أدى لإعلان وزارة الري السودانية انحساراً غير مسبوق لمناسيب النيل، ويهتم هذا المقال بالنظر في ردود أفعال الأسرة الدولية لهذه الخروقات الجسيمة، وكيف أنها لا تتسم بأدنى درجات الجدية والفاعلية، وأتخير ثلاثة نماذج؛ أحدها يتعلق بإسرائيل، واثنان يتعلقان بالسياسة الأمريكية.
وبالنسبة لحالة الإبادة الجماعية الإسرائيلية لأهل غزة، والتدمير شبه الكامل لمدينتهم الجميلة، فإن أحداً لا يتحدث عن عقاب إسرائيل على جرائمها، فالمأساة تتمثل في عجز المجتمع الدولي.. حتى عن وقف إطلاق النار، وقد استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو 3 مرات في أكتوبر وديسمبر 2023، وفبراير 2024، لمنع صدور قرار بوقف إطلاق النار، فلم يصدر إلا في 17 نوفمبر 2025، بعد أكثر من سنتين على حرب الإبادة، وهو القرار الذي بُني على خطة ترامب في سبتمبر 2025. ويُلاحظ أن إسرائيل بعد ذلك أكدت مفهومها لوقف إطلاق النار الذي ظهر منذ اتفاق وقف إطلاق في لبنان في نوفمبر 2024؛ وهو أن وقف إطلاق النار لا ينطبق إلا على خصومها. فبينما امتنعت المقاومة في غزة ولبنان.. عن القيام بأي عمليات منذ صدور قراري وقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل عمليات القتل والتدمير، وإن بوتيرة أقل، بدعوى الدفاع عن النفس، وهي تتوسع في فهمه بحيث يصل إلى مستوى النوايا، كما في الحديث عن «خطر وشيك»، تنفرد إسرائيل بالحق في تحديده والرد عليه، في ظل موافقة أو تغافل تام من الجانب الأمريكي.
بل إن الأمر وصل إلى تغيير الواقع القائم وقت وقف إطلاق النار.. بتحريك خطوطه، ويُلاحظ أن كل الجهود في غزة ولبنان وحتى سوريا.. تنصب على محاولات الحفاظ على وقف إطلاق النار، دون أدنى حديث عن محاسبة إسرائيل على جرائم القتل والتدمير.. بحق البشر وممتلكاتهم وبنيتهم التحتية؛ وهي جرائم يشير ما تكشَّف من مؤشراتها.. إلى فظائع لا تقل هولاً عن جرائم النازية، وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية.. قد أصدرت – في 21 نوفمبر 2024 – مذكرة اعتقال نيتانياهو ووزير دفاعه السابق، فإن تنفيذ هذه المذكرة يبدو في الواقع الراهن مستحيلاً. ناهيك بسلحفاة العدل الدولية، التي سارعت بإصدار قرار يأمر روسيا بالتعليق الفوري لعملياتها العسكرية في أوكرانيا.. في 16 مارس 2022، أي بعد 18 يوماً فقط.. من تقديم أوكرانيا لدعواها، بينما لم تتخذ – بعد أكثر من سنتين ونصف سنة على تقديم جنوب إفريقيا دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل – سوى بعض الإجراءات الاحترازية، التي لم تصل للأمر بوقف إطلاق النار، والتي لم تلتزم بها إسرائيل، كما في الأمر بإلزامها بوقف الهجوم على رفح في مايو 2024.
ولا تقل الأمور سوءاً في النموذجين المتعلقين بالسياسة الأمريكية؛ فلم تصدر أي إدانة من منظومة الأمم المتحدة.. لاختطاف القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي، وإن كان الأمين العام قد اعتبرها سابقة خطيرة ومقلقة، واقتصرت الإدانات على دول كالصين وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، مع ملاحظة أن مجموعة «بريكس».. التي تضم هذه الدول وغيرها، لم تُصْدِر بياناً جماعياً بهذا المعنى.
وينسحب الأمر نفسه على استيلاء الولايات المتحدة على نفط فنزويلا، وعلى العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الأخير على إيران، بل إنه حتى إذا اعتبرنا العدوان عملاً يمكن تبريره.. بدعوى الحفاظ على الأمن الإقليمي والعالمي، الذي سيصبح موضع تهديد.. حال امتلاك إيران سلاحاً نووياً، فإن الأمر مختلف جذرياً بشأن تصريحات ترامب التي عصفت بالقانون الدولي.. بشأن سيطرته على مضيق هرمز، وفرض رسوم مرور فيه، وتقاضي 20% من قيمة البضائع التي تمر منه؛ إذ إنه باستثناء المنظمة البحرية الدولية – التي أكدت رفضها القاطع لهذا التوجه، لافتقاده أي أساس قانوني – كان رد الفعل الأساسي هو نجاح بعض الدول الخليجية.. في إقناع ترامب بالتراجع عن مقترح جباية الرسوم، مقابل التعهد بضخ حزم استثمارية جديدة في الولايات المتحدة!
وفي تحليل أسباب هذا الضعف البَيّن.. لردود الفعل الدولية للانتهاكات الخطيرة واللامعقولة للقانون الدولي، نجد أنفسنا أمام أسباب الانتهاكات ذاتها؛ أي قانون القوة.. فالقوى المتوسطة والصغيرة تخشى عواقب الاعتراض على سلوك القوة العظمى. أما القوى الكبرى.. فهي نوعان؛ أولهما: يختلف مع السياسة الأمريكية.. كالصين وروسيا، لكن انشغالاتهما الراهنة.. لا تؤهلهما لعمل مباشر فاعل ضد السياسة الأمريكية. وأقصى ما تستطيعانه، هو الدعم غير المباشر للقوى التي تصطدم بهما، كإشارة بعض التقارير إلى دعمهما إيران. والنوع الثاني: حليف أصلاً للولايات المتحدة.. كالاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن أقصى ما استطاعه، هو الامتناع عن المشاركة في الانتهاكات الأمريكية. كذلك فإن بنية المنظومة الدولية.. تعكس قانون القوة الذي يشل مجلس الأمن، بسبب حق الفيتو. ويردع القوى المتوسطة والصغيرة عن تحدي الولايات المتحدة في الجمعية العامة.
بل إن الأكثر مدعاة للإحباط، قد يكون موقف المجتمع المدني الدولي. صحيح أن عديداً من منظماته تدين الانتهاكات، وأن تحولات واعدة قد حدثت.. في توجهات الرأي العام العالمي، لكن هذا كله لم يثمر في وقف هذه الانتهاكات أو تقليلها. والحقيقة، أن مستوى العصف بالقانون الدولي.. يحتاج أفعالاً غير تقليدية؛ كتنظيم محاكمات شعبية لمجرمي الحرب، لكن الحال يذكرني بقصة «الملك العاري».. للكاتب الدانماركي هانس أندرسن، التي تتحدث عن إمبراطور شديد الهوس بالملابس، يقنعه محتالان بقدرتهما على غزل قماش سحري لا يراه الأغبياء، وعندما يتمان عملهما، ويرتدي الملك الثوب الوهمي، ويخرج في موكب يسير فيه عارياً، بينما الجميع.. إما منافق، أو خائف من الاتهام بالغباء. حتى يصرخ طفل – بصدق – «لكن الملك عارٍ»، فمتى يُهيأ للمجتمع الدولي من يصرخ بالحقيقة؟.
نقلاً عن «الأهرام»