نيفين مسعد
«أعطِني تعليماً جيداً أسلِّمْك جيلاً راقي الفكر والسلوك».. هذه قاعدة مختبرة ومجربة وناجحة، ومن حُسن الحظ أنني تتلمذت على أيدي بعض قامات هذا الجيل؛ سواء على مستوى التعليم ما قبل الجامعي، أو على مستوى التعليم الجامعي.
قد يكون بعض أساتذتي العظام في المستوى الأول غير معروفين على نطاق واسع، لكنني أدين لهم بقيم كثيرة جداً، أهمها احترام العلم واحتراف القراءة، ولن أنسى أن أول مرة تعرَّفت فيها على فكر أستاذ الفلسفة الكبير الدكتور زكريا إبراهيم كانت على يد أستاذي مخلص جاد الله مدرس الفلسفة والمنطق وعلم النفس.
دفع لي أستاذي، رحمة الله عليه، بثلاث من المشكلات التي قام المؤلف بتشريحها عن الحياة والحرية والحب لأقرأها وأنا في الصف الثاني الثانوي، فخشيتُ من التجربة وترددتُ وتهرّبتُ ثم قرأتُ وتعلّمتُ وأتبعتُ ذلك بقراءة بعض كتب الفيلسوف الكبير الدكتور زكي نجيب محمود، الآن أشعرُ بغصة شديدة جداً بسبب إلغاء مادة الفلسفة، وإلغاؤها يعني أن التفكير غير مهم، وأن السجال تضييع للوقت، وأن فص المخ الشمال، حيث الأرقام والحسابات والخوارزميات، هو وحده المهم، إلغاء الفلسفة معناه تعطيل نُص المخ.
في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة انفتح أمام أبناء جيلي الباب واسعاً لمواصلة التعلم على أيدي نخبة من الأساتذة الأعلام تركوا فينا أثراً، بل آثاراً ما زالت مطبوعة في أذهاننا حتى هذه اللحظة، سمح عدد الطلاب المحدود بعلاقة مباشرة ووثيقة بيننا وبين أساتذتنا كأننا أسرة واحدة، وحتى مَن كنّا نخشاهم ونتوارى منهم بالجلوس في آخر صف نعترف لهم بالفضل في تعليمنا كما ينبغي للعلم أن يكون، إنها قائمة طويلة من الأسماء المحترمة التي حين تتراص إلى جانب بعضها البعض فإنها تخض.
لم تُتح لي فرصة التتلمذ على يد الدكتور مصطفى كامل السيد، وهو الأستاذ بألف ولام التعريف، والعابر للتخصصات الذي يتقاطع عنده الفكر السياسي مع النظرية السياسية مع السياسة المقارنة مع الاقتصاد السياسي مع حقوق الإنسان.
فعندما عاد من جنيف حاملاً درجة الدكتوراه من المعهد الدولي للدراسات الدولية في موضوع «انعدام المساواة الاجتماعية والاحتجاج الجماعي في دول الجنوب»، كنتُ قد أوشكت على الانتهاء من السنة التمهيدية للماجستير في عام 1979.
لكن فيما بعد عملتُ معه في أطر مختلفة، بعضها كان إطار مركز البحوث والدراسات السياسية الذي كان بمثابة.. منارة فكرية حقيقية داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ففي مؤتمره السنوي كان يشارك كبار المسؤولين والشخصيات العامة من كل الاتجاهات، وفي النهاية كان يتم نشر بحوثه ومناقشاته القيّمة في كتاب ضخم كنّا نسميه.. «كتاب المؤتمر»، وفي إطار الندوات المصرية-الفرنسية التي كان ينظمها المركز اشتغلت – لأول مرة – مع الدكتور مصطفى كامل السيد، كان يشارك فيها بأبحاثه العميقة، ويبذل جهداً فائقاً في تحرير بعض الكتب الصادرة عنها، وكنت أتولى مهمة التنسيق لعدد من تلك الندوات، والمساعدة أحياناً في الترجمة بين الفرنسية والعربية، لينتقل للقارئ في البلدين.. مضمون الفكر بروح اللغة التي يفهمها لا بحرفيتها.
وعندما أصبح الأستاذ مديراً لمركز بحوث ودراسات الدول النامية في الكلية، أضيفت خلية نحل جديدة للمجال البحثي، ولهذا المركز.. يعود الفضل في تدريب جيل من الباحثين الشباب على مهارات البحث العلمي والاهتمام بقضايا الجنوب، وهنا نلاحظ أن الرجل لم يفقد اهتمامه قط.. لا بقضية التنمية ولا – تحديداً – بقضية العدالة الاجتماعية، التي بدت كما لو كانت هدفاً أسمى يطارده.. منذ كتب عنها رسالته للدكتوراه، وفي عام 2009 صار هو المؤلف الرئيسي لتقرير التنمية الإنسانية العربية الخامس، وتشرفت بكتابة إحدى الأوراق الخلفية.. عن أمن الجماعات الهشة والضعيفة في العالم العربي، وقد كنتُ مهدَّدة بعدم المشاركة في التقرير، بعد أن تأخرتُ في كتابة الورقة.. كالمعتاد.
وكان ضياع هذه الفرصة، من شأنه.. أن يمثل خسارة علمية فادحة بالنسبة لي. لكن ربنا ستر، فالتقرير منذ صدوره الأول وهو حديث العالم كله، وكان سقف الحرية فيه عالياً جداً.. إلى الحد الذي تسبب لاحقاً في توقفه عن الصدور. المهم أن بالنسبة لهذا الأستاذ – عبر كل التجارب وكل السنين وكل الأجيال – ستجد أن كل مَن احتك به – سواء في جامعة القاهرة، أو في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، أو في أي من كبريات الجامعات الأوروبية – يجمع على أنه أستاذ موسوعي الثقافة، شديد الجدية، فائق الالتزام، يقدس قيمة العلم، يحترم آراء طلابه، يتفانى في عمله إلى حد الذوبان.
لماذا أكتب عنه اليوم؟
للعام الثاني على التوالي، يدرس الدكتور مصطفى كامل السيد.. لطالب واحد فقط، مقرر النظرية السياسية في مرحلة الدراسات العليا، ويتعامل مع الطالب الواحد.. كأنه مائة طالب؛ فالحق في التعليم لا شأن له بالعدد.
ينزل من بيته في مصر الجديدة، ويتجه إلى جامعة القاهرة – يوم الاثنين من كل أسبوع، لمدة ثلاث ساعات – يلتقي فيها مع طالبه النجيب. يهاجمه دور الحساسية الموسمية بحدة، فلا يتغيب عن محاضراته؛ فقط عندما يشتد عليه الدور، ينتقل للتدريس عبر الزوم.. محاضرة أو اثنتين، ثم يعود ليحاضر طالبه وجهاً لوجه، يعطيه استراحة قصيرة في منتصف الوقت، ثم يستأنف مناقشته، ويحرضه على الحوار.
يذكر الأستاذ للجميع أن للطالب فضلٌ عليه؛ فبدونه ربما ما قرأ أكثر، واستعد لمحاضرته أكثر. فأي نموذج من الأساتذة يقدمه لنا هذا الرجل؟
لا يتاجر بعلمه، ولا يُخفي رأيه؛ فما يقوله داخل مدرج الجامعة.. هو نفسه ما يحاول التعبير عنه في الصحف. وما لم تتسع له الصحف.. مارسه داخل حركة 9 مارس، أو في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أو في إطار الحركة المدنية، أو في جلسات الحوار الوطني – كنائب لمقرر المحور السياسي -إنه ابن محافظة الشرقية ،الذي أجاد تضفير الثقافتين العربية والغربية.. بسلاسة تامة، فقائمة صداقاته تضم من بساتين الشرق والغرب باقات كثيرة.
وهو نتاج المنظومة التعليمية المتميزة؛ التي أتاحت له أن يتكلم بلسان عربي فصيح، ويمتلك ناصية اللغتين الإنجليزية والفرنسية.. فيكتب بهما ويدرس. إنه أول الثانوية العامة عام 1963 على مستوى الجمهورية.. الذي تعلَّق بالسياسة، وأراد الانضمام لمنظمة – الشباب ككثير من أبناء جيله – فحيل بينه وبين عضوية المنظمة؛ لأنه يناقش أكثر مما يجب، وينتقد أكثر من المسموح. وهو – بالتأكيد – الأستاذ الذي لن تجد تحت شقته سيارة فارهة آخر موديل، لكنك تثق ثقة تامة.. في أن على رف مكتبته يوجد أحدث كتاب في مجال تخصصه، والأدق القول.. في مجالات تخصصاته المتعددة.
نقلاً عن «الشروق»