سمير مرقص
- «الهوية في حالة حركة»
في مقالنا السابق، عرضنا في حلقة أولى.. للكتاب الشديد الأهمية: «ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي» ــ الصادر عن دار رؤية للنشر في 395 صفحة؛ لمؤلفه الباحث المعتبر الدكتور هاني نسيرة، تناولنا الإطار العام للكتاب، ومقاربته متعددة الأبعاد.. لمسألة الهوية.
في هذا الكتاب، يقدم لنا «نسيرة».. محاولة جادة ورصينة وعلمية، للإجابة عن جملة من الأسئلة حول الهوية/الهويات، كما يرصد اشتباكاتها الفكرية والحياتية. يفكك المؤلف ما يعتري المفهوم من التباسات، وأثرها على الواقع، فيما يعده المؤلف ألغاماً تتهدد مجتمعنا المصري/مجتمعاتنا العربية.
بداية، ينبهنا المؤلف إلى أن: «أزمة تفهم الهوية وفخاخها، أو تشظيها وأزماتها.. هو في حصرها في بعد واحد منها، أو الفصل المصمت بينها وبين آخريها، الذين لا ينفصلون عنها، بل يشكلون مشاعرها وتصورها ومواقفها منهم ومن ذاتها، ونرى أن هذا كان خلطاً نتج عن المساواة والمطابقة بين الهوية والذات، وبينها وبين الانتماء.. دون تصور قدرتها وخصوبتها الديالكتيكية، في تفاعلها وارتباطها بالآخرية والآخرين، وتكاد تنطبق عليها مقولة هيراقليطس الشهيرة: «نحن لا نغطس مرتين في الوادي نفسه»، فالمياه تتغير باستمرار، والمرء يختلف في غطسه الأول عن الثاني».
ومن ثم يخلص إلى أن: «الهوية صيرورة، تحمل عناصرَ أكثر ثباتاً (لغة/ذاكرة/رموز) وعناصرَ أكثر تحولاً (تمثّلات/مواقف/تحالفات)، ومن ثمّ فهي ليست سيولةً كاملةً ولا جوهراً صلداً، بل تظل تكيفها وتتكيف مع واقعها، ووفق هذه البنية الثابتة أو السمة المائزة، كما يقول القائلون بسكونية الهوية، تتحدد رؤاها ومواقفها، فهي قد تصالح خصومها، وقد تهادن أعداءها، ودائماً تتبيأ ببيئاتها، وفق قوانين التاريخ والقدرة، وليس الانقلاب عليهما، أو الانتحار، أو الاقتدار عليهما أو فيهما».
ما يخلص إليه المؤلف.. هو في حقيقة الأمر تأكيد على الثبات والتغير.. الذي تحمله الهوية؛ يتفاعلان معاً في جعلها دائمة الحركة، وتمثل هذه الخلاصة انحيازاً موضوعياً ــ يقوم على العلم، وينطلق من الواقع ــ لحقيقة تحت الاختبار الدائم عملياً، تؤكد أن الهوية تكون في حالة دينامية (حركية وحية) طول الوقت، «تتغير وتتفاعل وتتطور» على المستويين الفردي/الإنساني/المواطني، والمجتمعي.
- «اشتباكات الهوية»
إلا أن أصحاب الهويات ذات الارتباط الأحادي.. الذين يرفضون قبول التنوع من جهة، والاقتناع بأن الهوية الحية دائمة الحركة ذات طابع مركب من جهة أخرى، يفرضون الصراعات المختلفة، وينشرون الفخاخ تجعل تلك الهوية المركبة ــ الطبيعية المتجددة ــ في حالة اشتباك دائم. لذا يقول «هاني نسيرة»: «إن قضية الهوية، في جوهرها الاستراتيجي، لا تخرج عن كونها حالة اشتباك محتدمة»؛ اجتماعياً، وسياسياً، ودينياً/مذهبياً، وقومياً، وثقافياً، وحضارياً،… إلخ، حيث تؤدي تلك الحالة الاشتباكية، إلى جعل الهوية – في ذاتها – لغماً متفجراً، أو قابلاً للتفجر.. في أي وقت من جهة، وإلى دفع زارعي الألغام.. من أصحاب المصالح، والمتصارعين «هوياتياً» – إن جاز التعبير – إلى التنافس على زرع المزيد من الألغام من جهة أخرى؛ ما يحول الهوية من قوة دافعة للتقدم والشراكة والاندماج، إلى قوة مانعة لهم.
والنتيجة، أن تدخل الهوية إلى حقول ألغام متنوعة؛ ألغام التسييس، والتديين، والتطييف، والتغريب، والتفتيت والتقسيم.. بتجلياته المختلفة: الطبقية والثروية والجيوسياسية. في هذا السياق، تعرض المؤلف لكثير من الأزمات التي تتعلق بالهوية، مرت بتاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ سياسياً، ودينياً، وجيوسياسياً. كما مس إشكالية الهوية في الزمن الرقمي.
- «نزع الألغام: نحو هوية مركبة وإنسانية»
في هذا الإطار، يركز المؤلف على أن مواجهة تلك الاشتباكات – بأنواعها المختلفة – تنطلق من ضرورة التيقن.. «أنه من الخطأ اختزال الهوية في مجرد انتماء ثقافي أو تاريخ ساكن؛ فهي كينونة حركية، تعي الفوارق.. مع احتفاظها بجوهر بنيتها، وتعبر عن وعي الذات بنفسها في مرايا الآخرين، وردود فعلها تجاههم. لذا، كان لا بد من تحديد دوائر الهوية التي تتحرك في إطارها، والتي تجسد تعدد أبعادها؛ حيث يبرز أي من هذه الأبعاد.. وفقاً لطبيعة التحدي الذي يواجهها، مما يجعلها شبكة معقدة من العلاقات والدوائر المركبة؛ لتظل الهوية في النهاية.. هي الحصن الوحيد الذي يسكنه المرء، وهو يواجه العالم».
ويستتبع التأكيد على أن الهوية مركبة.. إدراك أهمية ما يشير له المؤلف بـ «الهوية الإنسانية»؛ تلك الهوية.. التي من شأنها استيعاب التنوع، والالتزام الصارم «بعقلنة رصينة.. تضبط انفعالاتنا أمام الآخر المختلف؛ عرقاً أو ديناً أو ثقافة. عقلنة تبصر محاسنه وفضائله، مثلما تدري مثالبنا ورذائلنا، وتعي مواطن قوته لنتعلم منها.. دون استعلاء أجوف، لا يورث إلا العزلة. لقد جربنا طويلاً.. أن نحيا خلف جدران الخوف من (الآخر)، فلم يزدنا ذلك إلا انكساراً وهزيمة، والحقيقة أننا لم ننتصر يوماً.. إلا حين امتلكنا شجاعة النقد الذاتي، لنصلح من شأننا في مرايا الآخرين. ومارسنا النقد المزدوج.. الذي يحللنا ويحللهم بإنصاف»؛ ومن ثم الإيمان بأن التفاعل بين هذا التنوع، الذي تعكسه العناصر الهوياتية المتعددة ــ بغض النظر عن الأوزان النسبية لتلك العناصر ــ من شأنه أن يؤمن الهوية من الانفجار والتشظي.. لصالح الفعل المبدع، والخير العام، والتكامل.
تحية مستحقة للدكتور «هاني نسيرة».. لما قدمه في مؤلفه من جهد معتبر، أشاد به كل المشاركين في الندوة التي نُظمت قبل يومين لمناقشة الكتاب في نقابة الصحفيين وشارك فيها: الأساتذة والدكاترة علي الدين هلال، وعبد العظيم ،وصبحي عسيلة، وكاتب هذه السطور، وأدارها الكاتب الصحفي الكبير حمدي رزق. وبعد.
فحسب خاتمة الدكتور «هاني نسيرة»، «إن الهوية ليست قدراً محتوماً، يتربص بنا. أو سجناً تضيق به أرواحنا، بل هي جسد حي.. يغتذي بشمس الآخرين. يتحقق بالمساواة والعدالة، ويتنفس ويرتوي بالانفتاح، ويذبل في عتمة العزلة والانغلاق».
نقلاً عن «المصري اليوم»