تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

جدل الداخل والخارج في العراق «2ـ2»

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

تناوَل مقال الأسبوع الماضي.. العلاقة بين العراق وإيران على المستوى العقائدي؛ وتحديداً فيما يخّص موقف حوزتَي النجف وكربلاء.. من مبدأ ولاية الفقيه. وبالانتقال إلى المستوى السياسي، نجد أن هناك صراعاً متزايداً بين الولايات المتحدة وإيران.. للاستحواذ على العراق؛ بعد أن كانت الدولتان قد تشاركتا في إسقاط نظام البعث.

تعوّل الإدارة الأمريكية على دور مهم للعراق.. في الربط التجاري والاقتصادي بين دول المنطقة؛ كجزء من إعادة تشكيل توازنات القوة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. ويدخل في ذلك إحياء خط كركوك-بانياس، لنقل نحو مليونَي برميل نفط عراقي يومياً إلى الساحل السوري.. ومنه إلى أوروبا، وهذه الخطوة تؤمّن تدفق الطاقة، وتلتف على ورقة مضيق هرمز.. التي تضغط بها إيران.

ويتكامل مع التنسيق العراقي-السوري.. التنسيق العراقي-التركي، عبر طريق التنمية، وهو عبارة عن شبكة ضخمة من الطرق البرية، لنقل البضائع والمسافرين من ميناء الفاو جنوب العراق.. إلى السواحل التركية، ثم إلى أوروبا. وفي حين تتحايل إيران لإحياء مبدأ وحدة الساحات، يسعى ترامب لخلق وحدة ساحات مضادة، ويحاول توريط سوريا.. لمحاربة حزب الله على الأراضي اللبنانية.

وعندما قام علي الزيدي – رئيس وزراء العراق – بزيارة واشنطن، تفاخر الرئيس الأمريكي بأنه هو الذي أمر بقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، و«شخص آخر سيئ».. في إشارة لنائب رئيس هيئة الحشد الشعبي. وأثار هذا التفاخر العلني بالقتل.. غضباً عارماً بين الفصائل العراقية المسلّحة الموالية لإيران؛ حتى أن إحداها رصدت مكافأة قيمتها عشرة ملايين دولار.. لمن يقتل الرئيس الأمريكي.

وكان الغضب أشدّ على الجانب الإيراني؛ إذ انتقد علي أكبر ولايتي – مستشار المرشد للشؤون الدولية – أداء علي الزيدي خلال الزيارة، ووصفه بأنه قليل الخبرة، ويخون دم الشهداء. وفيما يخص الشق الاقتصادي للزيارة، أشارت بعض الفصائل المسلّحة إلى أن السيد علي السيستاني.. حرّم التعامل مع الشركات الداعمة للكيان الصهيوني؛ وهو ما يعني رفع الغطاء الشرعي عن الاتفاقيات الاقتصادية.. التي تم توقيعها بين ترامب والزيدي. بينما تساءل نفر آخر من الولائيين العراقيين.. لماذا لا تخرج مظاهرات حاشدة ضد هذه الاتفاقيات، كما خرجَت مظاهرات كبيرة في عام 2019؟

فمن الجدير بالذكر، أن أحد التفسيرات (التآمرية) لمظاهرات أكتوبر 2019 في العراق.. أنها جاءت للرد على اتفاقيات التعاون الاقتصادي؛ التي أبرمها رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي.. مع الصين، وذلك لمنع نفاذها للعراق. وبالتالي، فإن استدعاء نموذج الصين.. هدفه القول: كما أنه سبق العمل على إجهاض التقارب الصيني-العراقي لصالح الولايات المتحدة، ليكن هناك عمل مماثل.. لإجهاض تعزيز التعاون الأمريكي الاقتصادي.. لصالح إيران.

واكتسب العراق أهمية متزايدة بالنسبة لإيران، بعد انهيار نفوذها في سوريا.. بكل أهميتها الچيوستراتيچية. فلقد أدى هذا الانهيار.. إلى تشديد الرقابة على عمليات تهريب السلاح والمقاتلين، والمواد المخدرّة.. بين سوريا ولبنان.

وتحوّلت سوريا من فناء خلفي لإيران، إلى ساحة مستباحة للتمدد الإسرائيلي، ونفوذ الجماعات التكفيرية؛ وفي هذا تهديد جسيم للأمن القومي الإيراني. 

وعندما نشبت الجولة الثانية من الحرب على إيران، اكتشفت الجمهورية الإسلامية.. أن معارضتها الكردية – المتمركزة في العراق – يتم توظيفها وتسليحها من جانب الولايات المتحدة.. بهدف إسقاط النظام. بالإضافة لما يقال دائماً.. عن وجود نشاط إسرائيلي في كردستان العراق، وهذا ينَقَلَ المواجهة مع الولايات المتحدة خطوة أبعد، وجعل إقليم كردستان.. هدفاً للهجمات الإيرانية المتكررة. 

كذلك يظهر تزايد مركزية العراق في الاستراتيچية الإيرانية.. في توسيع بنك أهداف الفصائل العراقية المسلّحة الموالية لها، وتجاوزها استهداف المصالح الأمريكية في العراق، إلى استهداف مصالح حلفاء الولايات المتحدة خارج الحدود. وكشف الاستهداف السعودي-الأمريكي للعراق، عن أن هذه الفصائل لا تحارب وحدها، بل معها ضباط من الحرس الثوري وحوثيون وأفغان.

كما عُدّ التشييع العراقي الحاشد للمرشد الإيراني السابق – الذي فاق في زخمه وتنظيمه توقّعات الإيرانيين أنفسهم – رداً على أولئك الذين تحدثوا عن نهاية النفوذ الإيراني في العراق؛ وهو حديث ينم عن عدم إدراك التقاطعات بين الدولتين. وفي ظل فورة المشاعر الدينية، تعالت أصوات عراقية تقول إنه آن الأوان لقيام دولة كونفدرالية.. تجمع العراق وإيران. وهذا أبعد ما يكون عن رؤية الزيدي لمستقبل العراق.. الساعي لموازنة نفوذ الحليفين الإيراني والأمريكي. وتجلّى ذلك في أنه – قبل أقل من عشرة أيام على زيارة الزيدي لواشنطن – ذهب إلى طهران، ووقّع معها اتفاقيات للتعاون؛ كان أبرزها الربط البرّي بين كرمنشاه وبغداد، والتوأمة – على مستوى الإدارة المحلية – بين عاصمتَي الدولتين. وهذه النقطة تحديداً.. أثارت تساؤلات داخل العراق؛ عن سبب توأمة بغداد مع طهران، وليس مع أي عاصمة عربية.. أو حتى أوروبية أخرى. وعندما ماطلَت إيران في استثناء العراق.. من أي قيود تفرضها على حركة الملاحة في مضيق هرمز، لأنها في حرب تحتاج فيها لاستخدام كل أوراق قوتها، أثير التساؤل حول جدوى العلاقة مع إيران.

إن جدل الداخل والخارج في العراق، هو الوجه الآخر لمعركته.. من أجل توحيد مركز صنع قرار السلم والحرب.. وفق المصلحة الوطنية، لا توجيهات الخارج. وهذِه المهمة صعبة – لكنها ليست مستحيلة – فلأول مرة تتوافر إرادة سياسية.. لدى أهم القوى الفاعلة في العراق، من أجل حصر السلاح بيد الدولة، بحيث تبدو الفصائل المتمردة.. وكأنها معزولة عن بيئتها الداخلية. لكن الأمر يحتاج أيضاً لبيئة عربية داعمة؛ بحيث لا يُترك العراق للتجاذبات الأمريكية والإيرانية، فلا يخفى أنه – بعد أن كان قد تم تضييق الخناق على الفصائل المتمردة على تسليم السلاح – جاء الاستهداف السعودي-الأمريكي لمواقع الحشد.. ليعطيها قُبلة الحياة، ويُحرج الحكومة العراقية؛ خصوصاً مع إعلان ترامب.. أنها كانت على علم مسبق بالهجوم.

وهذا التصريح دليل جديد على ارتباك السياسة الأمريكية، التي تطالب الحكومة العراقية باحتكار السلاح من جهة، وتُورطها في الصراع مع إيران من جهة أخرى. 

ومن الحكمة ألا يكون الجوار العربي.. جزءاً من هذا الصراع، وأن يسهم في تقوية الحكومة العراقية، وتعزيز شرعيتها. وأن يعمل على تنويع أوجه العلاقة معها، وتوفير البدائل لها.. لاسيما في مجال الطاقة. ولنتذكّر أنه كان يوجد تجمّع مصري-عراقي-أردني.. له أهداف اقتصادية طموحة.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة