نيفين مسعد
يحدث أن ننشغل بأمرٍ من الأمور البسيطة، ونبدأ في البحث عن تفسيره؛ فإذا برحلة البحث تأخذنا بعيداً جداً، وتضعنا على مشارف المزيد من الأمور المعقدة.. التي تحتاج إلى تفسير أكبر. أما كوننا نواصل رحلة البحث.. أو نتوقف عند العتبة، فهذا يتوقف على أشياء كثيرة؛ أهمها الشغف.. ففقدان الشغف قاتل للرغبة في المعرفة.
أنا من أولئك البشر.. الذين يُنطق اسمهم بطريقة، ويُكتَب بطريقة أخرى مختلفة. ومثلي في ذلك، مثل مَن يحملون أسماء فيفيان، وفيكتوريا، وفيكتور، ومافي، وفيوليت، وفيولا. وذلك أن أهالينا.. اختاروا لنا أسماء من أصول غير عربية.. تركية أو فارسية أو لاتينية. وبما أن اللغة العربية لا وجود فيها للحرف V، فبالتالي.. تُكتب أسماؤنا بحرف الفاء.
… هذا الموضوع يغيظ بعض الشيء، ففي كل مرة أكتب اسمي.. في أي مقال أو بحث، وأضع فوق حرف الفاء ثلاث نقاط، يتم شطب نقطتين من النقاط الثلاث.. بواسطة المحرِّر؛ فأشعر أن هذه ليست أنا، وأنه حدث تغيير في الأسماء الرسمية.
وفي الحقيقة، يجب أن أحمد ربنا.. لأنه أتت عليَّ فترة لا كان اسمي يُكتب، ولا حتى يُنطق بثلاث نقاط. حدث هذا في فترة الخمسينيات؛ عندما لم يكن اسمي متداولاً في مصر على نطاق واسع، ثم أخذ ينتشر بين بنات جيلي.. هو وطائفة أخرى من الأسماء؛ مثل بريهان، وشريهان، ونجوان.. إلخ. وبما أنه يوجد فرق توقيت – بين البندر والأرياف – ظلت هذه الفئة من الأسماء – ذات الأصول غير العربية – غريبة على مسامع أهل قريتي.. في قلب الدلتا، وجرت العادة على التعامل مع اسمي بطريقتين، إما نطقه بالفاء دون فهم معناه التركي والفارسي.. وهو الزهرة الجميلة، أو تحريفه ليقترب من اسم آخر له معنى مفهوم، وكان الاسم الأقرب هو «نفير».. بمعنى الحشد والتعبئة. وكثيراً ما استغل أخواي هذا التحريف العجيب لاسمي.. من أجل الضغط عليَّ في أي خناقة تافهة، حتى أضطر لتقديم تنازلات. وبالفعل، فإن النداء عليَّ مرة واحدة فقط.. يا «نفييير»، كان كفيلاً بأن يجعلني أعمل عجين الفلاحة.. حتى أوقف هذا النداء السخيف. من جهة أخرى ظل بعض الأصدقاء المشارقة.. ينادينني «نوين» حتى سنوات قليلة، ولم أفهم سبباً لذلك.
عموماً، فإن موضوع الأسماء.. موضوع مثير، وفيه كثير يقال. لذلك قلت آخذه إلى الدكتور عبد الستّار الحلوجي – لأنه مُرشدي وناصحي الأمين.. في كل ما له صلة باللغة العربية والنحو – فالرجل علّامة كبير في علم اللغة والتراث.. فضلاً عن علم التربية، ثم إن الحديث مع الدكتور الحلوجي هو في العادة حديث متدفق وشيّق، ولا يمكن أن ينتهي.. دون حصيلة معرفية معتبرة، ولذلك أعترف أن اتصالي به للدردشة في موضوع الأسماء، كان من باب «التلكيك».. لأسمع صوته، وأستفيد من علمه الوفير.
في البداية، كرّر عليّ الدكتور الحلوجي.. ما أعرفه عن أن بعض الحروف اللاتينية، ومنها حرف الـ (V)، لا وجود له في اللغة العربية.. مثلما أن بعض الحروف العربية – كالضاد والظاء – لا وجود له في اللغة اللاتينية. هذا إذن معروف، لكنه ليس كل شيء؛ فالموضوع أعقد من ذلك بكثير، والاختلاف بين اللغات واللهجات.. يصنع فوارق كبيرة؛ سواء في الكتابة أو في النطق.
سألني: هل تعرفين بكم طريقة يُكتَب حرف الجيم؛ وهو بدوره كحرف الفاء، لا يعرف التنقيط الثلاثي؛ كما في أسماء جورج وجورجيت وروجينا وجاسمين؟ توقَعت من سؤاله أن حرف الجيم من الحروف المشاغبة، فرددتُ على سؤاله بسؤال آخر: كم طريقة؟ قال: في اللغة الفارسية.. يُكتب حرف الجيم كافاً وفوقها شَرطة مائلة يقصد هكذا (گ) ومن ذلك كلمة «بُزُرْگ» أي الشيء الكبير أو الضخم.
وأضاف أن هذه كانت هي نفس طريقة كتابة حرف الجيم.. في اللغة العثمانية (التركية) إلى أن تحوّل مصطفى كمال أتاتورك.. لكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية. وفي الخليج يُكتب حرف الجيم قافاً، وأحياناً غيناً؛ كأن يُكتَب «بيق بن»، أو «بيغ بن».. في إشارة للساعة البريطانية الشهيرة. وفي المغرب، يُكتَب حرف الجيم – في اللغة الدارجة – كأنه فاء ثلاثية النقاط؛ كما في قول «ڤمرة» بدلاً من «جمرة». وفي تونس يُنطق أحياناً حرف الجيم.. على أنه قاف؛ كما في حالة حي «جمرت» السياحي الشهير.. الذي يُكتب «قمرت»، وأحياناً «ڤمرت».
ومع أن حرف الجيم.. يُكتب بشكله المعروف في مصر، لكن بعض اللهجات المحلية تجعله بديلاً لحرف القاف فيقال «جضايا» بدلاً من قضايا، كما يختفي تعطيش الجيم السائد في صعيد مصر.. عند الانتقال للحضر، فيقال «جامعة» بدلاً من «چامعة».
وفي شبه الجزيرة العربية، نجد بعض اللهجات اليمنية.. تحوّل حرف العين إلى همزة، كأن يقال «أنيد».. بدلاً من «عنيد». وفي البعض الآخر، يحل حرف السين مكان الشين كأن يقال «شاعمل».. بدلاً من «سأعمل». ويبدو أن حرف الشين – هو الآخر – من الحروف المشاغِبة، وأنه مولع على نحو خاص.. بمزاحمة باقي الحروف، وتعظيم مساحة استخدامه قدر الإمكان؛ فهو – في الكويت والعراق – يحل محل حرف الكاف؛ كأن يقال «تشيف الأحوال؟» بدلاً من «كيف الأحوال؟». وهذا النوع الأخير من ألاعيب حرف الشين، يطلقون عليه «كشكشة» – كما أخبرني دكتور الحلوجي – وكانت التسمية مفاجأة بالنسبة لي؛ فالكشكشة في عالم الخياطة.. لها معنى مختلف جداً.
في نهاية المكالمة.. شعرتُ بالدوار؛ فلقد انتقلنا من البحث في موضوع الثلاث نقاط، إلى مناقشة موضوع اللهجات المحلية ككل. ولم أعد أعرف أي حرف يحل محل أي حرفٍ آخرٍ.. في هذه اللهجة أو تلك. فسارعتُ بتدوين المعلومات – التي تدفَقَت من الدكتور الحلوجي، كتدفّق مياه الشلال – لكن المهم، هو أن الحديث معه.. أوحى لي بالسؤال التالي: هل يمكن التفكير في جهد عربي مشترك، لإنتاج موسوعة.. تتضمن استخدامات الحروف العربية في اللهجات المحلية المختلفة؟
يحتاج تحقيق هذا الحلم الصغير، إلى الاقتناع بحقيقة بديهية.. هي أن تعدُّد اللهجات المحلية، هو مصدر للتنوُّع والغنى، ودليل على الحيوية والتجدُّد. كما أنه يحتاج لتوفُّر الإرادة السياسية.. للربط والتشبيك بين الشعوب العربية؛ باعتبار أن الثقافة.. هي خط الدفاع الأخير عن العروبة.
ومن حُسن الحظ، أن هناك اهتماماً عاماً متزايداً باللغة العربية. وبالتالي، توجد فرصة لتحقيق الحلم. وكما يقول محمد منير.. «لو بطّلنا نحلم نموت.. لو عاندنا نقدر نفوت».
نقلاً عن «الشروق»