أحمد الجمال
فرق كبير بين مواجهة ممارسات الإهمال والفساد والتسيب، أو مخالفة القانون والقواعد المرعية.. لتنظيم العمل وعلاقاته في أي مجال من المجالات الإنتاجية والخدمية وغيرها، وبين اتخاذ الوظيفة الإشرافية والرقابية.. مدخلاً لممارسة التسلط والتعسف، لدرجة التنكيل النفسي بالموظف أو العامل.
لأنه من البديهي.. أن مضمون الضبط والربط، وإجادة العمل، ومقاومة السلبيات؛ يتحقق أكثر وأكثر.. إذا جاء في قالب إداري توجيهي حازم، مهذب خلوق؛ يخاطب ما قد يكون موجوداً من نقاط ضوء وخير.. في تكوين الإنسان وشخصيته.
تلك المقدمة الطويلة، تتصل بما تكرر في مجال التربية والتعليم. وقد تابعت – مثل كثيرين غيري – واقعة وفاة الأستاذة ناهد حنا نظير – مدرسة الدراسات الاجتماعية في مدرسة عرابة أبوالدهب الابتدائية الجديدة، التابعة لإدارة سوهاج التعليمية – وإلى أن صدر بيان من محافظة سوهاج، ينفي ما تم تداوله عن أن المغفور لها السيدة ناهد، تعرضت لضغط نفسي شديد.. إثر قيام اللجنة المسماة «الأتوبيس الطائر»، بتعنيف المعلمة.. أمام زملائها وطلابها. وجاء نفي المحافظة.. متضمناً ذكر ظروف وفاتها؛ بسبب إجهاد مفاجئ، وأثناء توجهها لشراء علاجها الخاص.
ولست بصدد ترجيح أي من الروايتين – رغم اعترافي بتضامني وتعاطفي وانحيازي للمعلمة – لكن الملاحظ.. هو أن تكرار وقائع تعرض بعض سادتنا المدرسين والنظار، لتعامل غير لائق من بعض المحافظين – ومن على غرارهم في مواقع أخرى – هو أساس المشكلة؛ التي قد تكون نتيجة ما يسمى.. «تصدير القهر». حيث يتعرض شخص ما.. لقهر واستبداد وتعسف، من شخص أو جهة أعلى منه.. سلطة ووظيفة. فيتجه للتنفيس، بممارسة الأمر ذاته.. مع أسرته؛ أي زوجته وأطفاله، أو ربما والديه. وقد يمارسه مع من هم أدنى منه وظيفة.. في مجال عمله.
يعني.. أن «معالي» المحافظ.. الذي شاهدته وهو يفتك – وباشمئزاز غير إنساني – بأحد المربين الأفاضل، ربما يكون قد تعرض – قبلها بوقت ما – لتعنيف أو اشمئناط.. من آخر أعلى سلطة منه! وقد تكون نتيجة لغياب الثقافة والحنكة الإدارية.
ولذلك، فإنني أتساءل.. تساؤلاً تقريرياً، أكثر منه استفهامياً: لماذا لا يخضع الذين يرشحون لتولي وظائف عليا – من وزراء ومحافظين ونازل – لدورات علمية تثقيفية.. تعلمهم ثقافة وحنكة الممارسات مع مرؤوسيهم، ومع الجمهور عامة؟
… فأثناء الدورات، سيظهر ما قد يكون لدى بعضهم من نقص علمي وثقافي، وما قد يكون لدى آخرين من أمراض نفسية!
ويبدو أن الذين يصدرون قهرهم، أو يمارسون ساديتهم ونقص ثقافتهم الإدارية والإنسانية؛ لا يلتفتون أبداً إلى الظروف التي تتم فيها العملية التعليمية، وخاصة في الريف المصري شمالاً وجنوباً، وفي المناطق النائية..
… ظروف المباني والمقاعد والسبورات والوسائل الإيضاحية، وعدد الطلاب وحالة دورات المياه والأحواش، والمحيط السكاني، وطبيعة ومسلكيات أهله، وغير ذلك الكثير.. مما يجعل تلك المناطق – وهي الأكثرية في مصر – تستحق تقييماً دقيقاً لظروفها، وتحديداً علمياً مدروساً.. لأنسب الطرق للتعامل معها؛ لأن هناك مئات المدارس بغير أحواش ولا أسوار، وأحياناً بدورات مياه.. لا تكفي للأعداد من تلاميذ وفراشين وموظفين ومدرسين.. وضيوف أحياناً، فما البال بوسائل الإيضاح، والمكتبات، والمعامل، والملاعب، وقاعات الهوايات.. وغيرها.
وكما شاهدنا – في مشهد المحافظ إياه، والنظار – لم يناقش حضرته.. تلك الأمور، بل كل ما وقف في زوره، هو أن «الأفندي» يرتدي جلباباً.. ولما انكشف أمامه حال إحدى المدارس.. على لسان السيدة الفاضلة ناظرتها؛ التي قالت لجنابه.. إنها من دفعت من جيبها، تكاليف إدخال بعض المرافق للمدرسة، فكان رده تحذيراً لها.. من أن توهمه بأنها تصرف على الحكومة. ولما تأكد أنها كذلك – يعني «بتصرف على الحكومة» – لاذ بالصمت!
… ولو أنني استطردت في هذا السياق، لما كفت الصحيفة.
ولعلي أذكر هنا.. طرفة حقيقية – عشتها في صباي – عندما قمنا بتنفيذ أوامر بعض مدرسينا، الذين انكووا بنار مدير التربية والتعليم بالغربية، وكان صارماً.. يسبق لسانه بالعقوبة، ولا يعرف المثوبة، حيث حرفنا النشيد الذي نردده صباحاً: الله أكبر يا بلادي وكبري.. وخذي بناصية المغير ودمري.. «ليصبح».. وخذي بناصية «المدير» ودمري!
ولفترة الدراسة الأولية والابتدائية والإعدادية والثانوية.. حكايات شديدة الطرافة والعمق.
نقلاً عن «المصري اليوم»