Times of Egypt

الوجدان الدولي الجديد.. في مواجهة السياقات العالمية الحاضنة للتطرف

M.Adam
محمد رءوف حامد 

محمد رءوف حامد 

بالرغم من تفاقم إرهابية التحالف بين النيوليبرالية والصهيونية، فإن مواجهته لم تصل بعد إلى القدرة على حماية العالم من انحرافاته.

عموماً، تتراوح التناولات المجابهة لإرهابية هذا التحالف.. ما بين تحليلات ورؤى لكُتَّاب ومفكرين، وبيانات وقرارات من الأمم المتحدة ومؤسساتها، ولكن دون انعكاس على الواقع.

بالتوازي، تصاعدت حمية الحس الإنساني العالمي.. في مواجهة انحرافات هذا التحالف، وولَّدت الوجدان الدولي الجديد، الذي يُعَدُّ منصة استثنائية جديرة بالتمحيص والاستفادة فيما يتعلق بإشكالية إعادة حوكمة العالم.

عن أهمية التحول إلى الوجدان الدولي الجديد:

على إيقاعات هذا التحوُّل، بزغت مستجدات لم تكن في إطار المعرفة العامة أو التوقعات الممكنة. من أمثلة ذلك تحوُّل جذري في انتخابات عمدة نيويورك. وكذلك الاكتشاف بأن المخطط الاستعماري بنزع فلسطين من أهلها وإقامة الكيان الإسرائيلي، جاء بهدف منع تقدم المنطقة العربية، وأن نشأته تعود إلى عام 1840، أي عدة عقود قبل كل من المؤتمر الصهيوني الأول، ووعد بلفور، وقرنين قبل «طوفان الأقصى».

هذا يوضح كيف أن الشعوب احتاجت إلى زمن طويل، لإدراك شراسة قوى التسلط العالمي ضد التاريخ والجغرافيا والبشر.

هكذا تلكؤ.. في رصد المؤامراتيات، يستدعي الانتباه إلى اعتبارات منطقية، في غيابها تتواصل استبدادات قوى التسلط العالمي، وتتضخم التضحيات اللازمة للمقاومة.

من هذه الاعتبارات:

  • إن التأخر في اكتشاف أي انحراف تسلطي بسيط، يؤدي إلى التلكؤ في مواجهته، وبالتالي تعملق الكوارث الناجمة عنه.
  • إن فهم الأحداث والتوجهات يتطلب الانتباه إلى السياقات الأعم وسائر أوضاع الشأن العام (مثل سقوط سور برلين، والالتفافات الأمريكية على مجلس الأمن بغية ضرب العراق (2003)، وزيف الترويج للفوضى الخلاقة).
  • إن المعرفة طاقة.. «تتولد» من عمليات التساؤل، و«تنضج» بالتفكير العلمي، وبالحوار، وبجماعية التفكر، مما يجعل في تنحية المعرفة قبولاً بالتهلكة.

ذلك يعني أن الوجدان الدولي الجديد.. جاء متأخراً جداً، فقط مع انكشاف السلوكيات التطرفية للتحالف النيوليبرالي/الصهيوني.

هذه وضعية تنبه إلى ضرورة تبنِّي حركية المعرفة (بمعنى التقييم وإعادة التقييم والتقويم والتطوير)، وذلك بأكثر جداً من الاصطفاف الأيديولوجي. في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى تجسُّد الوجدان الدولي في توليد معالم إنسانية فكرية جديدة، مثل:

  • تنوُّع خلفيات المشاركين فيه، مهنياً ودينياً وعمرياً وجندرياً.. إلخ.
  • ظهوره كسلوك فطري.
  • تشابه الناس، شمالاً وجنوباً، في المعاناة، والتوجه الإنساني.
  • تفتُّح الأذهان على متطلبات جديدة.. بخصوص الأمن البشري وأمن الأوطان. ولأنه من المنطقي أن يكون لهذه المعالم الجديدة.. تأثيراتها بشأن المستقبليات، فإن التعامل مع الانعكاسات المرتقبة، يستدعي النظر في كل من السياقات الحاضنة للتطرف الدولي، ومتطلبات المواجهة.

أولاً- السياقات الحاضنة للتطرف الدولي: 

كانت أحداث غزة.. العتبة المفجرة لافتضاح تسيُّد «فكر القوة» وانعكاساته التطرفية/الإرهابية، الأمر الذي بات يتجسد فيما يلي:

1- عملقة الديكتاتوريات الدولية واشتداد خنق الديمقراطية، خاصة بعد سقوط سور برلين، وذلك على غرار تعاظم مشكلات البيئة والمناخ، وانحرافات الأمن الدولي في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب الروسية/الأوكرانية، وخطف الرئيس الفنزويلي، إضافة إلى خضوع الإدارة الأمريكية لإسرائيل في دعم عداءاتها للسلام والاستقرار.

2- صراع طبقي عالمي من نوع جديد تتشكل عناصره الرئيسية من الرأسمالية الشرسة وأتباعها، وشريحة من يمكن اعتبارهم بروليتاريا العلماء والتكنولوجيين، وخُدَّام تضافرية النيوليبرالية والصهيونية (من نشطاء [مثل إبستين] ومن مؤلفين [مثل صمويل هنتنجتون])، ومليارات الإنسان العادي.

3- حوكمات تسلطية لقمع الحريات الأكاديمية، شمالاً وجنوباً.

4- تطرفات مصاحبة لاتفاقيات التجارة الدولية (الجات)، التي أفرزت منظمة التجارة العالمية. هنا يجدر الانتباه إلى ما يلي من ملاحظات وأبعاد تطرفية لهذه الاتفاقيات:

  • إنها تُعَدُّ امتداداً تحديثياً لاتفاقية يالطا للتجارة الحرة؛ التي فرضتها بريطانيا على الإمبراطورية العثمانية عام 1838، ووقع عليها محمد علي بالإجبار (1840).
  • إنها لم تكن تتضمن اتفاقية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس)، نظراً لوجود منظمة معنية بهذا الأمر (المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية)، غير أنها (التريبس) فُرِضَت على الجات (في يونيو 1988) بضغط من الشركات الكبرى.
  • إن العالم – من خلال منظمة الأمم المتحدة للتعاون في التجارة والتنمية – كان قد صك اتفاقية بعقد لنقل التكنولوجيا (1979 – 1989)؛ كترتيب للمساهمة في تقدم البلدان النامية، الأمر الذي جرى إلغاؤه بفعل «الجات».
  • أنه عندما نجحت الجهود المعارضة لاتفاقية حقوق الملكية الفكرية.. في التوصل إلى ترتيبات لصالح الدول النامية، بمسمى المرونات TRIPs flexibilities (الدوحة 2001)، اخترعت الإدارة الأمريكية ما أسمته TRIPs Plus؛ كاتفاقيات منفردة بينها والبلدان الأخرى، خصيصاً لتخطى «مرونات الدوحة».

5- تطرفية الاستخدام المزمن لـ«فيتو» مجلس الأمن، لحماية الكيان الإسرائيلي من العقاب.. على انتهاكاته للقانون الدولي، فضلاً عن مواصلته لاغتيال المقاومين والسياسيين والعلماء.

6- لا إنسانية النيوليبرالية، والتي تتجسد في أمور مثل:

  • تعظيم توجيه البحوث العلمية/التكنولوجية، لإحلالها محل البشر، ولإنجاز تفوقات عسكرية صفرية.. معادية للآخر وللبيئة.
  • تغيير معايير إدارة المؤسسات في اتجاه تقليص الحريات والانتماءات.
  • تدهور الاكتراث بتزايد إفساد المناخ وتدمير الأرض.
  • استهداف تخفيض تعداد البشر.
  • صنع ودعم التطرفيات والانقسامات والإبادات العرقية (مثل مآسي البوسنة وبوروندي وغزة وليبيا وإيران). 

7- ممارسات فكر القوة، والتي تتجسد في تآمريات، مثل:

  • عدم الاكتراث بالمحاكمات الدولية.
  • إيقاف المساهمات المالية لبعض منظمات الأمم المتحدة (مثل الصحة العالمية).
  • التصدي الشرس لضاربي الإنذار whistleblowers، والذين يسعون للعدالة والسلام مثل حالتى جوليان أسانج وإدوارد سنودن.

ثانياً – مكانة الوجدان الدولي الجديد بشأن مواجهة التطرف الدولي:

برغم بزوغ الوجدان الدولي الجديد، وتواصل تصاعده – كماً ونوعاً – إلا أن شراسات التحالف النيوليبرالي/الصهيوني لم تتوقف، بل قد امتدت إلى أماكن أخرى، فهل ليس لهذا الوجدان تأثيرٌ على الأوضاع الدولية؟

في هذا الخصوص يمكن القول بأنه ربما في وجودية هذا الوجدان.. عاملاً مساهماً لدفع قوى عالمية أخرى (كالصين وروسيا وأسبانيا.. إلخ)، للاهتمام والبحث بشأن الأدوار الإيجابية الممكنة، ومتطلباتها.

من جانب آخر، نُذَكِّر بأن الوجدان الدولي الجديد.. ليس بثورة، وإنما هو انتفاضة ثورية، يتولد عنها عزمٌ مشجع ومرشد.. بشأن إدارة المواجهة.

وأما عن المواجهة ذاتها، فالأمر يحتاج إلى التعرف على جوهر الإشكالية المعوقة للمواجهة، ومعايير المواجهة، وأشكالها وأدواتها.

  1. طبيعة الإشكالية المعوقة للمواجهة: 

تكمن هذه الإشكالية في أن غالبية قيادات أنظمة الحكم – شمالاً وجنوباً – هي قيادات محافظة Conservative (خاصة في الشمال) و/أو اتباعية للآخر الأقوى (خاصة فى الجنوب). 

ب) المعايير المطلوبة بشأن المواجهة:

  1. – أنه بينما تقوم التطرفات الدولية السائدة على ممارسة «فكر القوة»، فإن مواجهتها لا تقوم إلا بـ«قوة الفكر»، الأمر الذي يكاد يكون غائباً في عالم اليوم، وإن كان في المواجهة الإيرانية الجارية (ومن قبلها طوفان الأقصى) علامات لمنهجية قوة فكر، الأمر الذي يستحق معالجة خاصة.
  2. – ضرورة تجنب مواجهة التطرف بالتطرف، وحتى لا تفنى الحقيقة ذاتها.
  3. – أن تكون المواجهة ترجمة لما يجسده الوجدان الدولي الجديد من معطيات وقيم وطموحات. 

ج) أشكال المواجهة وأدواتها: في المجمل، تكمن أشكال وأدوات المواجهة في قوة الفكر، التي يمكن الوصول إليها من خلال: 

أ – جماعية المفكرين في التعامل مع القضايا ذات الصلة بممارسة المواجهة؛ مثل تفكيك سلبيات العولمة، والتخلص من استبدادية افتعال جريمة العداء للسامية.. إلخ. 

ب – دعم التفاعل التواصلي «المجتمعى»، على المستويات المحلية والدولية.

4 – تعظيم المأسسة، والتي يمكن أن تتمثل مداخلها الرئيسية فيما يلي:

  • إيقاظ ودعم المكونات المؤسسية المُغَيَّبة، أو تلك التي تنقب عن الأدوار والفاعليات المناسبة لها، مثل النقابات، والجمعيات والاتحادات والمنظمات الأهلية (أكاديمية وغير أكاديمية)، والأحزاب، والبرلمانات.
  • الحفاظ على (وتحسين) فاعليات المؤسسات الدولية والإقليمية القائمة.
  • البحث في (وعن) المسكوت عنه بشأن الأمن البشري ومتطلباته.
  • حوكمة ممارسات السلطة (شمالًا وجنوبًا).
  • الارتقاء بخرائط التنمية، بربط عمليات التقدم المجتمعي ببعضها.

الخلاصة:

وبعد، يرجع تجنبنا للاسترسال في التفاصيل.. لقناعتنا بأن المواجهة لا تأتي من خلال طرح فردي، وإنما – وفقط – بالتفكر المنهجي/المعرفي/الجماعي، النابع أساساً من «كيانات»، وليس أفراداً.

هكذا جاء طوفان الأقصى، وهكذا تجري المقاومة، وهكذا يكون التصدي لتحالفيات الشر.

ذلك يعني أن الخلاص يكون في «قوة الفكر». هذا بالضبط ما يحتاجه العالم الآن.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة