أحمد الجمال
مع إطلالة شهر ربيع الأول.. الذي فيه يوم مولد الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم؛ تبدأ تباشير الظاهرة الاجتماعية.. ذات الأبعاد الثقافية والاقتصادية، المستمرة منذ عرفت مصر الدين والتدين.. في عصور تاريخها السحيق، وهي ظاهرة الاحتفالات بالقديسين والأولياء.
وكم يبقى ممتعاً لأمثالي.. من الذين لا يرون بأساً عقلياً أو روحياً، ثقافياً أو فكرياً أو اجتماعياً.. من احترام التدين الشعبي المصري؛ أن نشارك عموم الناس في مصر طقوسهم الاحتفالية، ولطالما خلعت الملابس الإفرنجية – أي البنطال والقميص والجاكت – وارتديت الجلباب البلدي؛ ذا الأكمام الواسعة والطوق المفتوح، وإذا كان صيفياً فهو من القطن أو الكتان أو التروكلين، وإذا كان شتوياً فهو من الصوف أو الجبردين.. المطعمة فتحات طوقه وأكمامه بالقياطين الحريرية، بل وأحياناً يكون الذيل أو نهاية الجلباب مقيطنة كذلك. والقياطين أنواع عديدة، يصنعها العقادون، أي من مهنتهم العقادة.. وهذا موال آخر.
ولقد عرفت مصر – في تاريخها القديم – هذه الظاهرة، حيث كان المصريون يحتفلون بالإله أتوم، رئيس التاسوع المقدس في مدينة هليوبوليس. ويحتفلون بالإله بتاح، رئيس الثالوث المقدس في منف. ويحتفلون بالإله تحوت، رئيس الثامون المقدس في مدينة هيرموبوليس. أما في طيبة فكانوا يحتفلون بالإله آمون، رئيس الثالوث المقدس المكون من آمون وموث وخونسو.
وكانت أعداد الآلهة وصلت إلى أكثر من خمسين، لكل منهم احتفال خاص به، ناهيك عن احتفالات أخرى، يختلط فيها الديني بالنشاط البشري؛ كالبذر والحصاد، والفيضان والمطر والخصب.
ثم إن مصر القبطية المسيحية.. بقى لها قديسوها، الذين يحتفل الناس والكنيسة بموالدهم.. في طقوس كلامية وحركية وجماعية، تماثل تماماً.. ما كان في مصر القديمة، وما سيكون في مصر القبطية الإسلامية.
وبالطبع، تأتي ستنا العذراء «أم النور».. على رأس المحتفى والمتوسل بهم، وللعدرا عدة موالد تقام؛ ومنها مولد في 15 أغسطس.. عند كنيسة العدرا في مسطرد، حيث زارت الأسرة المقدسة هذا المكان، وشربوا من بئرها. ومولد من السابع من أغسطس إلى الحادي والعشرين منه.. في دير العذراء بدرنكة؛ وهو مكان زارته العائلة المقدسة أيضاً. ومولد للعذراء في جبل الطير.. منتصف مايو من كل عام. عدا عن احتفال بصعود جسدها الطاهر للسماء.. يقام في كنيسة العدرا بباب زويلة.
وهناك مولد العدرا.. بدير السيدة العذراء – المشهور بـ «دير المحرق»، في جبل قسقام بالقوصية أسيوط، ويقام من 18 إلى 27 يونيو. ثم مولد العدرا.. في ديرها ببياض العرب، شرقي النيل ببني سويف.. من 7 إلى 21 أغسطس. ويقال – في بعض المصادر – إن هذا المكان.. هو الموضع الذي عثرت فيه ابنة الملك المصري القديم على الطفل موسى الرسول.
وبعد العدرا، تأتي القديسة دميانة – التي يحتفل بمولدها في شهر مايو، ويقام بالدير المسمى باسمها في براري بلقاس دقهلية. ثم موالد المارجرجس في ميت دمسيس دقهلية؛ حيث يتجاور مارجرجس مع محمد بن أبي بكر.. في المكان نفسه، وتتداخل الاحتفالات. ومولد أنبا برسوم.. في ديره بالمعصرة حلوان. ومولد الأنبا شنودة.. رئيس المتوحدين، في الدير الأبيض في أخميم بسوهاج. ولكل هذه الموالد طقوسها المشتركة.. من حيث الصلوات والألحان، والتسبيحات والقداسات.
وإذا توجهنا إلى مصر القبطية-الإسلامية فسنجد أنه بعد مولد سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في 12 ربيع الأول، يأتي مولد الإمام الحسين.. الذي يقام في أواخر ربيع الثاني. وله مولد آخر يقام في شعبان. ثم موالد السيدة زينب، والسيدة نفيسة، والسيدة سكينة، وسيدي علي زين العابدين، والسيدة رقية، ثم الأقطاب الغوثيون.. السيد أحمد البدوي، والسيد إبراهيم الدسوقي، وبعدهما أبو الحسن الشاذلي، وعبد الرحيم القنائي، والمرسي أبو العباس، وابن عطاء الله.
وليس غريباً.. أن تكون موالد الأولياء والصالحين المسلمين.. بعدد مدن وقرى مصر تقريباً. ومثلما تحتفي مصر القبطية المسيحية.. بقديسات، فإن الإسلامية لديها صالحات من الأولياء؛ كالشيخة صباح في طنطا، وكالسيدة زكية.. التي انتقلت – ودُفنت – بجوار مرقد شيخها الأكبر أبي الحسن الشاذلي، في حميثراء بوادي عيذاب بصحراء مصر الشرقية!
ويعرف من يهتمون بالتكوين الوجداني المصري.. أن الألحان والإيقاعات تكاد تتطابق بين المسيحي وبين الإسلامي، بل إن هناك منشدين مسيحيين.. ينشدون في الموالد على الناحيتين.
والطريف أن السلفية الحنبلية التيمية الوهابية، تلتقي مع نقيضها السلفية العلمانية.. المتشددة في رفض هذا المظهر من مظاهر تجليات الوجدان المصري، لتصبح السلفية الجاحدة.. هي هي نفسها؛ علمانية كانت أم وهابية.
نقلاً عن «المصري اليوم»