تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الملابس وتربية التسلط

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

لا شك أن مواقع ووسائط التواصل الاجتماعي.. قد أضحت وسيلة لا غنى عنها، للتعرف على ما يخفى – أو يُخفى – من أخبار ووقائع وأحداث. كما أن هناك أيضاً ما تفيض به تلك المواقع.. من أكاذيب ووقائع «مفبركة»؛ خاصة بعد التطور المذهل – والمتسارع – للذكاء «الاصطناعي». فقد أصبحت مهمة فرز الحقيقة من الخيال، والصدق من الكذب.. مهمة ليست بالسهلة، تحتاج إلى اكتساب نوع جديد من الثقافة التقنية – «الديجيتال» (الرقمية) – المتسارعة ومتابعة اطرادها. 

ولأننا نعيش في عالم.. هو أقرب ما يكون إلى العوالم «السريالية» – منه إلى عالم الواقع – فإننا كثيراً ما نُكذِّب حواسنا.. فيما نرى ونسمع. وترفض عقولنا تصديق ما يجري.. إلى درجة الإنكار، واتهام الذكاء الاصطناعي (AI) – المظلوم – بالفبركة. وإليك عزيزنا القارئ.. بعضاً مما عُرض علينا من مشاهد تشابهت علينا، فتشككنا بأننا نعيش في دولة دينية، ابتدعها الذكاء الاصطناعي؛ دولة مطوعين.. لا دولة مواطنين، دولة تسمح لكل من تسول له نفسه.. أن يمارس دور المطوع، من الغفير للوزير..

* في مدرسة ثانوية بمحافظة الغربية، تقف مديرة المدرسة في الفناء.. ممسكة بالميكروفون، لتلقي على التلميذات مجموعة من التعليمات الصارمة؛ منها: «البدلة كحلي.. الحجاب أبيض». وتحذرهن من ظهور خصلات الشعر من تحت الحجاب: «يا إما محجبة أو مش محجبة.. مافيش ماكياج.. لا في سنة أولى ولا تانية ولا تالتة، ولا حتى في الجامعة».

* طالبة ترتدي بنطلون جينز واسعاً، يستوقفها موظف أمن الجامعة، ويمنعها من الدخول، بحجة عدم مواءمة «البنطلون». والبنطلون به بعض من التمزق البسيط.. غير الملحوظ، وليس فجاً، ولكن السيد موظف الأمن – أو المطوع الجامعي، الذي ربما تكون شهادة محو الأمية أعلى شهاداته – جعل من نفسه قيِّماً على أخلاق طلاب الجامعة.

* «فيديو» آخر.. لطالبة أخرى، تظهر لنا ما ترتديه؛ وهو بنطلون واسع، وقميص مفتوح.. تحته شيرت (لا يشف)، يصل إلى الرقبة. وتشكو الطالبة.. بأن «فرد الأمن» رفض دخولها الجامعة، إلا إذا «قفلت زراير القميص». ولأن الطالبة – قبل أن تكون طالبة – هي مواطن حر محترم، ليس على رأسها بطحة، رفضت الوصاية الأخلاقية من «موظف الأمن»، وعادت إلى منزلها، لتنشر هذا «الفيديو».

بالقطع، ما سبق ما.. هو إلا غيض من فيض. ويبدو أن المسألة تعدت حكايات «لبس» البنات، إلى مسألة مجتمع «لبس في الحيطة»؛ حيطة التخلف والتسلط. مجتمع «مُطوَّعين في كل مكان». مجتمع يتجه نحو «قولبة» أفراده – باسم الدين الإسلامي – تحت «قناع الأخلاق».

لقد تصاعد الهوس بملابس وحجاب ونقاب «الإناث» – ولا نقول النساء – حتى أصبح ظاهرة مرَضية، لم ينجُ منها لا «الذكر»، ولا حتى «الأنثى». فالبعض من النساء؛ اللاتي تعرَّضن للقهر المجتمعي، والقيود الذكورية المحدِّدة لحريتهن منذ الصغر.. باسم الدين، التي ترى أن المرأة كائن ناقص.. لا تتساوى في الحقوق مع الرجل. بتن يمارسن ذات القهر، ويفرضن ذات القيود.. على الأجيال الناشئة.

التربية و«الشعبطة» على الدين والهوية

«الشعبطة» و«التسطيح».. أصبحت مصطلحات مهجورة. والمعنى العامي العام.. هو أن تستقل – خلسة – وسيلة نقل، تنقلك من مكان لآخر.. بدون تذكرة؛ تتسطح فوق عربة قطار، أو تتشعبط خلف عربة نقل عام – «أتوبيس» – وتصل لوجهتك، هدفك.. بدون استحقاق.

يبدو أن مصطلح «الهوية المصرية».. قد أصبح «ملطشة للرايح والجاي»؛ أو جواز مرور، وحجة لكل من ابتدع بدعة.. ليفرضها على الناس؛ باسم الحفاظ على «الهوية»، التي هي – في واقع الأمر – ليست إلا تصوراته، أو توهماته الخاصة.. عن مفهوم «الهوية».

قرارات وتصريحات السيد وزير «التربية والتهذيب»، تبين أنه قد أخذ على عاتقه مهمة ومشقة.. إعادة تربية وتهذيب المصريين، وتنشئتهم على مكارم الأخلاق.. منذ نعومة أظفارهم، فلا يكذبون؛ ولا يزوِّرون، ولا ينافقون رؤساءهم، ولا عوام الناس. ولا يزايدون على حُسن تدين الآخرين. وقد تبدَّى ذلك في قراراته الثورية اللافتة للأنظار؛ مثل قرار «اعتبار مادة التربية الدينية.. مادة أساسية بجميع الصفوف والمراحل التعليمية، بشرط أن يكون النجاح فيها.. من 70%»؛ ففي ذلك رسالة لأولادنا.. «الدين أهم مادة» – على حد قوله – كما أكد السيد الوزير.. أن الدين والقيم والأخلاق، تمثل الأساس الحقيقي لبناء شخصية الطلاب؛ مشيراً إلى أهمية ترسيخ الهوية المصرية والانتماء الوطني.. داخل المدارس، كما نقلت عنه وسائل الإعلام.

أما عن توجيهات السيد وزير «التربية والتهذيب».. بمنع الاحتفالات بالأعياد والمناسبات.. التي لا تتوافق مع الثقافة والقيم المصرية.. داخل المدارس، مع التركيز بشكل أساسي على المدارس الدولية، لضبط الأنشطة والفعاليات التي تقام بها، فقد أوضح السيد الوزير – كما نقلت أيضاً وسائل الإعلام – أن «الهدف من هذه التوجيهات.. هو الحفاظ على الهوية المصرية، وتعزيز القيم المجتمعية، وترسيخ الانتماء الوطني لدى الطلاب» أ. هـ.

إن قرارات السيد الوزير وتصريحاته، لن تسفر عما يأمل.. من ترسيخ للانتماء الوطني، وتعزيز للقيم المجتمعية والدينية المرجوة؛ لأن هذه الأشياء لا تتحقق بالجبر والمنع، وفرض الوصاية والتسلط. بل إن التغول على مساحة دور الأسرة في التربية، يُعد إهداراً للقيم المجتمعية، وكأننا بصدد «ملاجئ أيتام».. وليس مدارس وتلاميذ، لهم أهاليهم وذووهم.

وما أسخف وأسهل استخدام الدين.. كوسيلة لتزكية الذات لدى العوام، وعوام الفكر من الناس (مهما ارتقوا من مرتقى درجات السلم الاجتماعي أو الوظيفي)، وذلك للوصول إلى مكانة وموقع، دون المؤهلات اللازمة لذلك، وما أسخف وأسهل التلويح بسلاح الدين.. كوسيلة للشوشرة، والترهيب، وتشتيت الانتباه عن مثالب وقصور ونواقص الذات.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة