Times of Egypt

المرحلة التأسيسية للانتماء

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

من ميزات وسائل التواصل.. أن نعرف مدى انتشار ومتابعة ما يُنشر عليها، وقد لاحظت على الدوام أن ما يُكتب عن الريف والفلاحين والزراعة والفلاحة، وذكريات القرية ومواسمها وعاداتها وتقاليدها وطرائفها؛ يجد قبولاً هائلاً لدى المتابعين، شأنه شأن ما يُكتب عن الموالد المسيحية والإسلامية، وعن الأمثال الشعبية وتفسيراتها، وعن مفارقات وقعت في تاريخ مصر القديم والوسيط والحديث، وليس من باب التهوين أو الاستخفاف.. بما يُكتب عن الأحداث الجارية من تحليلات وتأصيلات، وما يُكتب في مواضيع متخصصة.. أن أقول إنه لا يجد الذيوع المماثل.

ومن الطبيعي، أن تكون للأمر تفسيرات.. من قبيل فحص العينة التي تتابع هذا وذاك؛ من حيث الشريحة العمرية، والأصول الاجتماعية، والمستوى التعليمي، والوعي الثقافي.

ولا أبالغ، إذ أشير إلى كثرة التعليقات والتعقيبات.. التي نالها مقال الأسبوع الفائت عن «ضم الغلة»؛ أي حصاد القمح، الذي أنهيته بما ظل يتفاعل في ذهني إلى الآن، ألا وهو الربط بين الإخلاص لأرض القرية – أي غيطانها وسككها وحواريها وأجرانها، والارتباط بترابها وأهلها وعلاقاتها وقيمها – وبين عمق الانتماء والولاء للوطن.. أرضه وسمائه وبحره ونهره وشعبه، والاستعداد الدائم.. للموت في سبيل الحفاظ على استقلاله، وتحرر إرادته وترابه ووحدته وتماسكه.

وربما يكون ما نشكوه.. من ابتعاد بعض من الأجيال الطالعة عن مفاهيم الانتماء والولاء للوطن، والتصدي بالروح والدم والعرق.. لأي محاولة للمساس به؛ هو فقدها المرحلة التأسيسية في عمق الأرض المصرية، ريفها وحضرها، لأن ما يوازي غيطان وسكك وتراب القرية.. هو الحارة والزقاق والدرب والشارع في المدينة، حيث لكل حي من الأحياء سماته وشخصيته وتقاليده وعلاقاته البينية، على النحو الذي عرفناه في روايات نجيب محفوظ.

ولعل تلك المرحلة التأسيسية تأخذ حقها في دراسات الاجتماع الريفي والحضري، ودراسات علم النفس الاجتماعي، وأيضاً في دراسات علم التاريخ الاجتماعي وتاريخ الحركة الوطنية.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإنني في هذا المقام أشير إلى الحركة الصهيونية، وآليات تنظيمها للهجرة اليهودية.. من أصقاع أوروبا لأرض فلسطين؛ حيث عمد قادة ومخططو عملية التهجير.. إلى ربط المهاجر القادم بالأرض. وبمجرد أن يصل لفلسطين، يتم تسكينه في الكيبوتزات والموشافات الزراعية.. ودفعه، بل وإجباره على المساهمة بالجهد البدني.. في عمليات استصلاح الأراضي غير القابلة للزراعة.

وكثيراً ما قرأنا عن أساتذة جامعة وعلماء وخبراء ومهنيين.. من أرقى التخصصات العلمية والمهنية، فرض عليهم أن يتوجهوا لتلك التجمعات الزراعية، بعد انتهاء عملهم الأصلي؛ ليحملوا السلاح على أكتافهم، ولينحنوا إلى الأرض.. يستصلحونها، ويرفعوا الحجارة والحصى منها، ويمدوا خطوط الري.. وبالجملة يختلط عَرقهم وجهدهم بالأرض.. التي جاءوا إليها، ويعتبرونها أرض ميعادهم.

وهكذا ضمنت الحركة الصهيونية وجود أجيال.. عرفت معنى الارتباط العملي بالأرض، التي أقيمت عليها الدولة الصهيونية العبرية.. بل إن الأوروبيين – حتى الآن، ووفق التعليق الذي تلقيته من الأستاذة الدكتورة فينوس نيقولا، أستاذة اللاهوت – ينظمون دورياً ذهاب الأطفال والمراهقين والشباب إلى المزارع.. لقطف ثمار المحصول الذي نضج ويتطلب القطف؛ كالعنب والتفاح والكرز والبرتقال وغيرها. ولطالما شاهدنا أفواجاً من الصغار والمراهقين، يقطفون ويحملون الثمار إلى مناطق التجميع.

والمعنى العميق لهذه العملية، هو تمتين ارتباط الأجيال بأرض وطنهم؛ عبر نشاط يجمع بين إعلاء قيمة العمل والإنتاج، وقيمة الجهد الجماعي المتكامل، وقيمة البهجة والاحتفاء بالخير وكسب الرزق، وبين القيمة العليا التي هي الانتماء والولاء للوطن.

وعلى ذلك كله، يبقى السؤال هو: كيف نستعيد تلك المقومات الجامعة التي أشرت إليها؟ 

نستعيدها بخطط مدروسة، تركز على جوهر مضمون الفكرة.. وبغير تكرار حتمي لتفاصيلها، إذ لا يعقل أن نجمع الأطفال والمراهقين والشباب.. في حقول لا تتوافر فيها سوى مياه الترعة للشرب، وليس فيها دورات مياه ولا مساحات لأماكن الإقامة؟!

وربما كانت مشروعات الدلتا الجديدة وما شاكلها من مشاريع استصلاح وزراعة، ومعها مزارع الأسماك وغيرها.. من المجالات الإنتاجية؛ تكون الأماكن المناسبة.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة