نبيل عبدالفتاح
المتغيرات الكبرى في عالمنا – من مرحلة تاريخية لأخرى – فرضت بعضاً من التغيرات.. في أنساق اللغة السياسية وخطاباتها، ومعها بعض التحولات في البُنى النظرية والمفاهيم، والأنظمة الاصطلاحية في مجالات العلوم الاجتماعية كافة، من الدراسات الألسنية – اللغويات – إلى العلوم السياسية، والسوسيولوجيا وفروعها، والعلوم القانونية، وأيضاً في الفلسفات الغربية.
التغيرات في الفلسفات، والسياسة، والقانون، والاجتماع.. هي نتاج التغيرات في بنيات المجتمعات الأكثر تطوراً، على الصعد الاجتماعية، والسياسية، وفي بنية الرأسماليات الغربية، وعلاقات الإنتاج وتحولاتها، والنظم الليبرالية والحركات النقابية، والأحزاب، وجماعات الضغط، ومنظمات المجتمع المدني ، والأهم.. التطورات في مجالات العلوم الطبيعية، والتكنولوجيا فائقة التطور؛ خاصة في العالم ما بعد بعد الحديث. ثم التحول النوعي مع الثورة الرقمية، والذكاء التوليدي، وعالم الروبوتات.. الذي سيُحدث قطيعة مع عالم ما قبل الإناسة الروبوتية، ومؤشرات التحول إلى ما بعد الإنسانية.
كل تغير في مواقع القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، والتكنولوجية والعلمية.. يؤدي إلى تراجع بعض النظريات والمفاهيم، أو إدخال تحويرات أو تعديلات.. في تعريف هذه المفاهيم، داخل حقلها النظري والدلالي.. على نحو ما يعرفه بعض المتخصصين في هذه المجالات المختلفة؛ لاسيما لدى قلة القلة مصرياً وعربياً، وأيضاً ظهور نظريات، ومفاهيم جديدة. من ثم لا توجد مفاهيم، ومصطلحات ثابتة في العلوم الاجتماعية والطبيعية والتكنولوجيا، في ظل القفزات في الرأسمالية النيوليبرالية الوحشية. من هنا، جاء هذا التغير فائق السرعة.. الذي مهَّد للثورة الصناعية الرابعة، ومشارف الخامسة، وأثرها على تراث من النظريات والمفاهيم، والاصطلاحات في مجال العلوم السياسية والقانونية…إلخ. مثل القوميات/القومية والسيادة، والاستقلال، والحريات العامة.
في الأدبيات السياسية العربية.. التي تم إنتاجها تحت الحكم الاستعماري الفرنسي والبريطاني والإيطالي.. استعيرت نظرياتها، ومفاهيمها من المرجعيات القانونية، والسياسية الغربية، وحاولوا تطبيقها على البنى الاجتماعية في بلدانهم، وعلى جماعات المقاومة الوطنية من أجل الاستقلال الوطني.
بعض هذه الاستعارات، تم تطويعها لتناسب الوضعيات الاجتماعية.. ما قبل الرأسمالية. وغالبها لم يكن سوى استعارات نظرية واصطلاحية.. مفارقة للواقع الموضوعي في هذه البلدان العربية الانقسامية. في الحالة المصرية – في عهدَي محمد علي وإسماعيل باشا – كانت الهندسة القانونية مدخلاً للتحديث المادي، وبناء الدولة الحديثة، وأيضاً للتغيرات في بنية الملكية، وتحولها مع تصفية الدائرة السنية على الخدم والمحاسيب.. إلى ملكيات فردية، وعائلية شبه إقطاعية. مع دمج تجارة القطن ضمن السوق الرأسمالية الدولية، وتحديث القوانين المصرية المستمدة من التقاليد اللاتينية.
مع تطور الأوضاع القانونية، ونظام الملكية، وفي العلاقات الاجتماعية، ونشأة الحركة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني، تطورت المفاهيم المستمدة من المتن الاصطلاحي الدستوري والسياسي الأوروبي؛ خاصة الفرنسي.. مثل القومية، والأمة المصرية ، وفصل السلطات، والمساواة والحريات العامة والخاصة، والقضاء المستقل – بعد حركة 1919 الجماهيرية الكبرى – والأحزاب، ولاسيما حزب الوفد، والأحرار الدستوريين، والشعب، وأيضاً الأحزاب الشيوعية السرية..إلخ .
مع نظام يوليو، تم إدخال مصطلحات سياسية.. مثل الشعب، والشرعية الثورية، والاشتراكية العربية وتحالف قوى الشعب العامل، والقومية العربية، والتحرر الوطني، والتنمية المستقلة، والطريق اللارأسمالي للتنمية، والحياد الإيجابي، وعدم الانحياز في المرحلة الناصرية. كان القاموس السياسي يبدو متأثراً بحركات التحرير الوطني العالم ثالثية.. وفق المتن الماركسي. وحركة القوميين العرب، والجماعات الماركسية – وخاصة حركة (حدتو) في مصر- وعلاقات جمال عبدالناصر وخالد محيي الدين بها، وبعد دمج بعض كبار المثقفين الماركسيين في الصحافة، والاتحاد الاشتراكي، وبعض الترجمات للمؤلفات الماركسية، ولبعض من كتابات الاقتصاد السياسي الاشتراكية، والغربية ومن دول العالم الثالث، كالهند في عهد نهرو…إلخ.
مع عهدي السادات ومبارك، حدث انقلاب في اللغة السياسية، واستخدم كاتبو خطابات السلطة.. مصطلحات عامة وسائلة وغامضة؛ مثل الانفتاح الاقتصادي، والتعددية السياسية – الشكلية والمقيدة فعلياً – والمجال العام المصادر، والمثقل بالقيود القانونية والأمنية، وحرية الصحافة.. المقيدة والتابعة للسلطة الحاكمة، والإفراط في استخدام مصطلح التكنولوجيا.. وأحدث مافي العصر منها!.
… كانت اللغة السياسية جامحة وغامضة، وخاصة في مجال السياسة الخارجية، كالسلام مع إسرائيل، والتسوية السياسية… إلخ. مع اللغة الدينية المفرطة.. ضد معارضي السادات من اليسار والناصريين والليبراليين، ساعده في ذلك بعض شيوخ السلطة الدينية الرسمية التابعين لها. مع مبارك استمرت هذه اللغة السياسية، مع انخفاض في الحدة والعنف اللغوي تجاه المعارضين، وتطورت اللغة على نحو جزئي.. مع مشاركات الخبراء والباحثين في مجال العلوم السياسية، إلا أن بعض المجازات استمرت جزءاً من الخطابات السياسية ومصطلحاته ، ولتظل لغالبها في ممارسات السلطة.
اللغة الإسلامية الفقهية السياسية استمرت بقوة.. داخل خطابات السادات، ورجال الدين والجماعات الإسلامية السياسية، والسلفية، والراديكالية. ثم تمددت في عهد مبارك وما بعده.. في ظل حكم الإخوان، وما بعد 30 يونيو 2013 – في خطابات السلطة والسلفيين، والمعارضة الإسلامية السياسية – من هنا، فإن اللغة السياسية – في بعضها – ظلت نمطيةً وتوظف – في بعض الأحيان – على واقع موضوعي متغير، ومخالف لها، وباتت اللغة السياسية القديمة.. فارغة المضمون والدلالة، في واقع وعالم مختلف.
نقلاً عن «الأهرام»