
مصطفى نصر
سرت مع صديقي الذي يسكن «السكة الجديدة» (في الإسكندرية).. قريبا جدا من الصاغة القديمة.
محلات الذهب مغلقة، بعد أن انتقلت الصاغة إلى شارع فرنسا، رجل وحيد مازال يفتح دكانه؛ فهو يمتلك قطعة الأرض التي يقع بها الدكان. معروض عليه مليونين من الجنيهات لشرائها.. ومازال يفكر.
يأتي إليه أحيانا.. زبون يريد بيع غويشة أو حلق دهب، فيشتريها هو، ثم يذهب بها إلى شارع فرنسا – حيث أصدقاؤه ومعارفه من تجار الذهب – فيبيعها لهم، ويكسب الفرق.
إقتربنا من دكانه، وجلسنا بجواره.
حكى لي عن أيام عزِّه في الصاغة القديمة، وترام البلد رقم 8 الذي كانت الناس تصل به إليها.. من كل مكان. منذ أن نقلوا الترام من هذه المنطقة، زال عن الصاغة بريقها، فكيف يأتي الناس إليها؟!
حكيت للرجل عن ابنتي المتزوجة في العجمي. فقال في أسى.. «عندي بنت نفسي أجوزها قبل أن أموت».

… كلما سمعت عن أزمة العنوسة في مصر، تذكرت هذا الرجل – الذي مات بعد لقائي به.. بأقل من عام – ولم تتزوج إبنته في حياته. إنه راقد في قبره.. قلقاً على إبنته؛ التي لم تتزوج للآن.
بدأت مشكلة العنوسة في مصر، عندما أغلق نظام حسني مبارك الكثير من المصانع، وحولوها إلى أراضي بناء.
فقد نشأتُ في حي شعبي فقير، القليل فيه يستكمل تعليمه، والباقي ما أن يصل لسن الشباب.. حتى يبحث له عن عمل. عدة مصانع حولنا، يعملون بها؛ الأهلية للغزل بكرموز.. حتى الفتيات كن يعملن بها، أذكر جارتي – التي تكبرني بعدة أعوام – كنت آخذ «عمود الطعام» من أمها، وأذهب – في شهر رمضان – في وردية الساعة الثالثة، إلى المصنع بشارع النيل، أقف وسط الجموع الآتية بالأكل لأقاربهم، فتأتي جارتي وتأخذ العمود مني.
أُغلق هذا المصنع، ومكانه الآن أرض فضاء.
ومصنع بشارع أبي الدرداء، أخوة يونانيين، أسسوا مصنعا للمعسل.. سموه بإسمهم؛ «سلوم». زملاء لي كانوا يعملون به، كانوا يرتدون زيا موحدا، الآن أصبح أرض فضاء.
مصنعان متقابلان (لعائلة بدوي).. إحدهما لصناعة الصاج المدهون، والآخر لصناعة المكرونة والحلويات، تحولا الآن إلى عمارات شاهقة.
ومصنع الورق الذي عملت به.. كان أول مصنع ورق في منطقة الشرق الأوسط، أسسه خواجة يوناني إسمه لاغوداكيس. أصبح أرض فضاء أيضا.
شباب يقف على نواصي الحارات والشوارع، يعملون في مهن مؤقتة؛ باعة متجولون، أو نقاشون، أو سائقي ميكروباصات صغيرة.. تسمى «التُّمناية». دخولهم غير ثابتة، فكيف سيتزوجون؟!
الأمَّر والأدهى، أن نظام جمال عبد الناصر وأنور السادات.. كان يهتم ببناء مساكن شعبية، ومساكن إقتصادية.
يقدم الشاب طلبا، ثم يحصل على شقة دون مقدم، وبإيجار قليل.
نظام مبارك.. أضاع كل هذا، وإهتم ببناء الفيلات وملاعب الجولف.. ماله هو بالفقراء؟!

الطريف أن بعض البلهاء.. يطالبون الآن بزواج الفتاة في سن التاسعة؛ ناس بتفكر بأشياء أخرى.. غير عقولها.
وجدوا أن هناك أزمة في الزواج، شباب كثير يريد أن يتزوج، ولا يجد فتيات؛ فقللوا السن.. ليقضوا على الأزمة.
على رأي زميلة لي.. كبرت في السن، ولم تتزوج. فصاحت – غاضبة – عندما قرأت عن هذه الفتوى العجيبة، وقالت: «طيب جوزونا أحنا الأول».
مصطفى نصر -2͏7͏ ͏A͏u͏g͏u͏s͏t͏ ͏2͏0͏2͏4͏
نقلا عن «فيس بوك»