Times of Egypt

السُّنة والشيعة-(1).. الجنازة حارة والميت سراب

M.Adam
عادل نعمان

  عادل نعمان   

في هذه السلسلة من المقالات، نبحث في جذور الخلاف السُّني-الشيعي، ومدى تقاطعه مع الأحداث الجارية، لنكشف كيف تحول الصراع من أروقة السياسة الأولى.. إلى صراعات الهوية المعاصرة.

الخلاف بين المسلمين بعد وفاة النبي.. كان خلافًا سياسيًا، وليس خلافًا فقهيًا أو شرعيًا. 

«في حادث سقيفة بني ساعدة»، كان النزاع بين أحزاب ثلاثة؛ أولها: حزب الأنصار، ترأسه سعد بن عبادة.. سيد الخزرج، فهم الأولى بها من بعد النبي؛ نصروه وأيدوه، وهم أهل المدينة واصحابها. 

وثانيها: حزب بني هاشم، علي بن أبى طالب، فهو صهر النبي ورفيقه، وكاتم أسراره. وهم عشيرته الأقربون. 

وثالثها: حزب بنى أمية بن عبد شمس، وهم تاريخيًا أصحابها.. لولا النبوة، إلا أنها قد فلتت وتملصت من الثلاثة، وتلقفتها قبيلة تيم (أبوبكر). حتى وصف عمر بن الخطاب بيعة أبي بكر الصديق «بأنها فلتة»، فهل كان يقصد أنها تمت بغتة.. دون مشورة عامة، أو تفكير أو إعداد مسبق. أو كان يقصد أنها وقعت في حجر من ليس له الحق فيها؟ 

أما لماذا لم يحضر حزب بني هاشم هذا الصراع.. في سقيفة بني ساعدة؟ فذلك لأنهم قد انشغلوا بغسل وتكفين النبي، ولما وصل لأبي بكر وعمر أمر اجتماع الانصار، تركوا الرجال وتوجهوا إلى سقيفة بني ساعدة، وظل في تجهيز النبي صهره علي بن أبى طالب، والعباس بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس، فهل كانت هذه هي الفلتة التي ذكرها عمر بن الخطاب؟ 

ربما.

وبعد وفاة أبي بكر، وقعت الخلافة بالتوصية في حجر (عمر بن الخطاب)، ثم انتقلت – بوصية من عمر – لستة من الصحابة، قالوا عنها: «قد مالت الأغلبية بقصد ناحية عثمان بن عفان»، حتى تلقاها صميم بني أمية، ثالث الخلفاء عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، حتى بلغت بيعة الضرورة للخليفة علي بن أبى طالب.. بعد مقتل عثمان، ولم يجرؤ أحد أن يتقدمه.. طالبًا إياها، فكانت عصية عليهم في الفتنة الكبرى، ومن هنا سُميت «بيعة الضرورة»، وبلغت الخلافة معاوية بن أبي سفيان – حفيد عبد شمس – بعد موقعتي الجمل وصفين وواقعة التحكيم، واستقر الملك العضوض فى يد يزيد بن معاوية.. بعد مذبحة كربلاء، ومقتل الحسين وآل البيت وأسر بعضهم.

بعد مقتل الحسن بن على بالسم فى بيته، والحسين ذبحًا فى كربلاء، اتجه الشيعة إلى التخفي في فترة الحكم الأموي.. لاضطهادهم والتنكيل بهم، وحين حاولوا الظهور في بداية الحكم العباسي – تحت مظلة أولاد العم – تنكر لهم العباسيون، ونكلوا بهم أشد ما يكون التنكيل، وذلك لإيمان العباسيين بأنهم أولى بعلي بن أبي طالب منهم. 

ولما ظهرت الدولة الفاطمية، أخذ الشيعة راحتهم.. وتمددوا في أرض الخلافة، وكان بداية ظهور الخلاف «السني-الشيعي» ظاهرًا ومكشوفًا. كلا البناءين الفقهيين كانا لتأكيد المذهبين في الحكم؛ فمعظم الأحاديث والروايات التي ظهرت تؤيد الشيعة، وأحقية الإمام علي فى الحكم.. وأولاده من بعده، ظهرت فى الكوفة، فظهر «الفقه الشيعي» ومركزه الكوفة، ومعظم الأحاديث والروايات التي تؤيد أحقية أبى بكر ومن بعده عمر.. امتدادًا لبني أمية، ظهرت في الشام، فظهر «الفقه السنى» ومركزه الشام.

والحقيقة، أن لهذا الصراع السني-الشيعي جذورًا تاريخيّة، ظلت جذوتها تحت الرماد.. حتى اشتعلت وتأججت في بدايات الفتنة الكبرى، والبداية عند قصي بن كلاب.. الجد الأكبر لكل هؤلاء. 

يشرح ابن كثير: «لما كبر قصي بن كلاب، فوض أمر الرفادة والسقاية والحجابة والندوة، إلى ابنه (عبد الدار) وكان أكبر أولاده، والجد الأكبر لبني أمية»، وكان لهذا الأمر شرف ومكسب مادي كبير، وجاء في شرح السيرة الحلبية: «فلما مات عبدالدار وأخوه عبد مناف، أراد بنو عبد مناف (وهم هاشم، وعبد شمس، والمطلب، وأخوهم غير الشقيق نوفل)، أن يسلبوا أبناء عمومتهم (عبد الدار) هذه المكانة، وأجمعوا على المحاربة. وتعاقدوا هم وحلفاؤهم (فسموا حلف المطيبين).. وتعاقد بنو عبد الدار ضد رغبة بني عبد مناف وأحلافهم (فسموا حلف الأحلاف) ».

ويكمل برهان الدين الحلبي: «ثم اتفقوا على أن تكون السقاية والرفادة والقيادة.. لبنى عبد مناف (أمور الحجيج وخدمتهم)، والحجابة واللواء لبني عبد الدار (الراية والجيوش والحماية)، ودار الندوة بينهم بالاشتراك، وتحولت خدمة الحجيج – بما فيها من وجاهة ومغنم جبرًا.. من أبناء عبد الدار، إلى أبناء عبد مناف. ثم استأثر بها هاشم بن عبد مناف (جد النبي) لنفسه.. دون بقية إخوته. ولما مات أخوه عبد شمس، ساورت ولده (أمية).. الرغبة في أخذ ما بيد عمه هاشم من ألوية الشرف بالقوة، وكادت الحرب تقطع صلات الرحم، وتهدر الدم الموصول. ومرة أخرى تفادى القوم الكارثة، فرضوا بالاحتكام إلى كاهن خزاعي، فقضى بنفي أمية بن عبد شمس عشر سنوات.. إلى بلاد الشام، ليقضى منفاه هناك، ويتخذ منها مالًا وولدًا وعزًا وقوة». 

(الدولة المدنية هى الحل)

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة