Times of Egypt

الرأسمالية الرقمية ونهاية «النوم»

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) «ماذا نعني بالرأسمالية الرقمية؟»

الرأسمالية الرقمية Digital Capitalism؛ هي المرحلة التاريخية من تطور النظام الرأسمالي الذي تُعد فيه: البيانات، والمعلومات، وشبكات الاتصال، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والخوارزميات، المادة الأساسية للإنتاج واستخلاص القيمة، ومن ثم تراكم رأس المال والثروة. ويمكن القول إن العالم قد دخل عصر الرأسمالية الرقمية.. بنهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ففي هذه المرحلة من المسار التاريخي للرأسمالية حدث تحول نوعي.. في تراكم رأس المال والثروة. إذ لم تعد العملية الإنتاجية تقوم على الأرض والزراعة.. كما في مرحلة الرأسمالية الزراعية، ولا على المصنع والصناعة.. كما في المرحلة الصناعية وما بعدها. وإنما على امتلاك وإدارة القاعدة المادية للمعلومات/ البيانات؛ باعتبارهما المادة الخام للاقتصاد الرقمي، ومن ثم معالجتهما من خلال الخوارزميات.. التي أصبحت بمثابة وسيلة الإنتاج الأساسية للرأسمالية الرقمية. وبالأخير تأتي المنصات الرقمية.. لتلعب دور الأسواق في الاقتصاد الرقمي تحت قيادة الذكاء الاصطناعي بأجياله المتعاقبة. 

نتج عن هذا التحول النوعي تشكل علاقات إنتاج من نوع جديد، كذلك علاقات عمل مختلفة، وأسواق أثيرية عابرة للحدود، وتركز الثروة والتقنيات.. في أيدي قلة احتكارية رقمية، باتت تشكل إقطاعاً تكنولوجياً رقمياً.. أوجد – بحسب أستاذة السياسة الأمريكية «جودي دين» (64 عاماً) في كتابها: «قبر رأس المال: الإقطاعية الجديدة والصراع الطبقي الجديد Capital›s Grave: Neofeudalism & the New Class Struggle«؛ (2025) – نظاماً إقطاعياً جديداً ــ رقمياً ــ يديره سادة جدد New Lords، وأقنان جدد New Serfs، حيث تتركز الثروة والأصول الرقمية والمادية في يد قلة من التريليونيرات/ الشركات (المنصات الكبرى مثل أوبر، أمازون، وإكس وأوبن آي)، بينما تتحول الغالبية الساحقة من الشغيلة إلى قطاع الخدمات؛ حيث يقعون تحت طائلة عقود إذعان رقمية. 

وفي محاولة لفهم تداعيات الرأسمالية الرقمية.. في تجليها «الإقطاعي الأوليغاركي»، اجتهد كثيرون مثل: عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستيلز، والمفكر الفرنسي بول فيريليو، والفيلسوف الألماني الكوري الأصل بيونغ شول هان، والفيلسوف الإيطالي فرانكو بيراردي، وغيرهم – إضافة إلى عالمة الاجتماع الأمريكية شوشانا زوبوف؛ التي عرضنا لمجلدها المعتبر والمرجعي عصر رأسمالية المراقبة: النضال من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة.. في مقال سابق.

في هذا المقام، نقدم جهداً إبداعياً جديداً عنوانه: 24/7 الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم 24/7 Late Capitalism & the Ends of Sleep؛ فما أهم ما تضمنه الكتاب؟

(2) «نعم نهاية النوم»

يُعتبر كتاب «الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم» للمفكر والناقد الفني الأمريكي «جوناثان كراري» (75 عاماً)، واحداً من أهم النصوص النقدية التي قاربت ما حل بالحياة الإنسانية.. جراء الهجمة الرأسمالية الرقمية بتجليها الإقطاعي من منظور فلسفي. يبني المؤلف أطروحته.. من فكرة أساسية، مفادها أن الرأسمالية الرقمية – في مرحلتها المتأخرة – تحشد كل عتادها لدفع الإنسان/المواطن يقظاً على مدى اليوم.. من خلال الاتصال والتواصل، عبر التقنيات الرقمية المتنوعة. فتلك التقنيات تجعل من الإنسان/ المواطن؛ مقتحماً الآخرين، أو هدفاً لاقتحام الآخرين، منشغلاً بما يدور في المجال الرقمي، أو مصدراً لإشغاله، طرفاً في شبكة/شبكات متعددة متباينة الأفكار والأهداف، متسوقاً ومتجولاً ومستغرقاً وغارقاً في «التصفح اللانهائي Endless Scrolling» للمقاطع Reels؛ بين شتى الأحداث والمواقع والصور والأسواق والأعمال الدرامية والأنشطة المختلفة. ما يخلق حالة انتباه يستحيل معها النوم. 

وبالنتيجة، يتآكل الزمن، وتختل الحياة الطبيعية للإنسان/ المواطن. ومن ثم تصبح البشرية تعيش في عالم لا يتوقف قط: لا ينام. ويجدد الكتاب التذكير بمفهوم طرح مبكراً.. يُعرف باقتصاد الانتباه Attention Economy؛ خلاصته أن الاقتصاد الرقمي – بما يوفره من غزارة معلوماتية في شتى المجالات.. بغض النظر عن مدى دقتها – فإنها تستنفر حالة من الانتباه، الذي يكاد أن يكون دائماً من أجل الاستهلاك بأنواعه المختلفة. ومن ثم يستحيل النوم بالكلية. وفي هذا السياق، يقول «جوناثان كراري»: «إن الرأسمالية لم تعد تستولي على وقت العمل فقط، بل تسعى إلى الاستيلاء على كل لحظات اليقظة». 

بلغة أخرى، النوم في نظر الرأسمالية الرقمية/الإقطاع الرقمي/اقتصاد الانتباه، غير مرغوب فيه إذ يصبح فعلاً يعطل الربح الرقمي ويؤخر التدفقات الاقتصادية الرقمية. بهذا المعنى، تصبح الرأسمالية الرقمية لا تهيمن على المجال الاقتصادي فقط، بل تمتد بهيمنتها إلى الزمن والوعي الإنساني. كما تعوق انفراد الإنسان بنفسه للتأمل أو المراجعة أو حتى للراحة.

(3) «هل يمكن مقاومة الرأسمالية الرقمية/ الإقطاع التكنولوجي»؟

لا يتوقف «كراري» في أطروحته.. عند الطرح الفلسفي لظاهرة «عدم النوم» – التي تفرضها الرأسمالية الرقمية – بل يحاول أن يقدم حلاً للإنسان/المواطن يواجه به هجمة الرأسمالية الرقمية/الإقطاع الرقمي. فبالرغم من أن شبكات الاتصال والمنصات الرقمية.. تعمق العزلة وتفاقم عدم النوم إلا أن المقاومة متاحة. وهنا يُستدعي سارتر – من خلال فكرة الجماعة المنصهرة التي توحد الخبرة المشتركة، والوعي بالمصير الواحد، والعمل الجماعي بين عناصرها – بهدف علاج الاختلال الذي لحق بالحياة الطبيعية للإنسان/ للمواطن في الزمن الرقمي. ويشير كراري إلى أن هذه المواجهة/ المقاومة لا يحدث بصورة تلقائية، بل يتطلب فعلاً إدراكياً جديداً.. يدرك فيه الفرد أن اغترابه ـ الزمني المركب ـ ليس حالة فردية، وإنما تجربة يتقاسمها مع آخرين، وأن تحقيق تطلعاته مرهون بالفعل الجماعي لا بالجهد الفردي. ومن هنا تصبح الجماعة فضاء لإنتاج أشكال جديدة من التضامن والممارسة الاجتماعية. 

وبعد، يُعد كتاب «الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم»، حسب كثيرين، نصاً تأسيسياً في فهم العلاقة بين الرأسمالية الرقمية والزمن الإنساني. وكيف أنه – بحسب أحد الباحثين – نجح «جوناثان كراري» في «تحويل ظاهرة يومية بسيطة.. كالنوم ،إلى أداة تحليل تكشف البنية العميقة – الشرسة بالرغم من العديد من المزايا – للرأسمالية الرقمية. وفهم، بالتالي، التحولات الثقافية والسياسية والنفسية التي ترافق صعود عالم الاتصال الدائم، كذلك إدراك الكيفية التي أصبح بها الزمن نفسه ساحة مركزية للصراع في المجتمعات المعاصرة».

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة