Times of Egypt

إحياء علوم الفلسفة!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبدالله عبدالسلام

أعدتُ قراءة جدول امتحانات الثانوية العامة الجارية حالياً. وجدته يخلو من امتحان الفلسفة والمنطق.. لطلاب القسم الأدبي؛ طبقاً للنظام الجديد، الذي استبعد الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس. بالتزامن مع ذلك، نشرت كبريات الصحف الدولية تقارير.. عن إعلانات وظائف، تطلب من خلالها شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الكبرى خريجين ومتخصصين في الفلسفة.. بمرتبات تفوق ما يحصل عليه خريجو كليات الحاسب الآلي والهندسة، وغيرها من العلوم التي سيطرت على سوق الوظائف خلال السنوات الماضية.

مجلة «الإيكونومست» نشرت – في عددها الأخير – تقريراً عن أن «الروبوت» منح الفلسفة أهمية جديدة.. بعد عقدين من الزمان، بدت فيهما وكأنها موضة قديمة.. عفا عليها الزمن. العلوم «التكنولوجية» هيمنت على المشهد، واستبعدت منه «ملكة العلوم».. أي الفلسفة. في معظم الدول تراجع الطلاب عن دراستها، ليمتد الأمر إلى العلوم الإنسانية مجتمعة. وزير التعليم الياباني.. طالب الجامعات عام 2015 باتخاذ خطوات فعَّالة، لإلغاء أقسام العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو تحويلها إلى مجالات تخدم احتياجات المجتمع بشكل أفضل. اندفع البشر في رحلة التعامل مع «الروبوت»، وكانوا على استعداد للتخلي عن كل شيء.. خاصة العلوم الإنسانية، التي كانت الأساس الذي شكل العالم الحديث؛ جرى التعامل معها.. وكأنها سلعة تخضع للعرض والطلب في سوق الوظائف.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات.. حملت وعوداً بالتقدم، وانتقال البشرية إلى مراحل جديدة. لكنها – في الوقت نفسه – جاءت بأمراض و«أوبئة».. لم يعهدها الإنسان من قبل. تقريباً، توقف بشر كثيرون عن التفكير النقدي، وأوكلوا المهمة إلى الروبوت. تفشَّت المعلومات الكاذبة والمضللة.. بصورة لم يسبق لها مثيل. اختفى الخيال أو كاد. الذكاء الاصطناعي لا يترك لك فرصة.. للتفكير، أو تقليب وجهات النظر. إنه يزودك فوراً بما تريد. لكن ما تريده أمور متعلقة بيوميات الحياة اليومية والعملية فقط. التفكير اللامحدود في مسائل مثل؛ ما هو الصواب وما هو الخطأ، وماهية الوجود.. لا مكان له. 

تفكيرنا أصبح ينطبق عليه عبارة: من اليد إلى الفم. بسيط وابن لحظته، ولا علاقة له بالأسئلة الكبرى التي شغلت الإنسان مئات السنين.

ماذا حدث إذن، كي تعود شركات التكنولوجيا إلى الفلسفة وأصحابها؟ نماذج الذكاء الجديدة.. تحكمها الخوارزميات وحدها. لديها ثقة مفرطة. على استعداد للإجابة عن كل شيء. تقدم أحياناً إجابات غير دقيقة، ولا تعترف بخطأ. بارعة في الإجابات وليس الأسئلة، مع أن الأسئلة تكون أحياناً أهم من الإجابات. ظهرت الحاجة إلى خريجي الفلسفة.. لبناء «دساتير أخلاقية» لنماذج الذكاء، والمساعدة في وضع أطر أخلاقية للأنظمة المعقدة؛ مثل النماذج العسكرية الذكية.. التي تتطلب الموازنة بين الأهداف والمخاطر. مبرمجو التكنولوجيا يكتبون «الكود»، لكن متخصصي الفلسفة.. يحددون القيم التي يجب أن يتبعها هذا «الكود». مثلاً: ما هي الحدود (المعايير) الأخلاقية التي تلتزم بها السيارة ذاتية القيادة.. حتى لا ترتكب حادثة، وتسير – في نفس الوقت – بالسرعة التي تريدها؟

قد يمنحنا الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا فائقة التطور.. القوة. لكن الفلسفة، والعلوم الإنسانية.. تمنحنا الحكمة. 

هناك حاجة لإعادة النظر.. في إلغاء مقررات الفلسفة والمنطق والنفس والاجتماع. أتمنى أن تكون ضمن امتحانات العام المقبل.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة