أحمد الجمال
لا أظن أن عميد الأدب العربي.. العلامة الدكتور طه حسين أراد أن تبقى الأمة – وخاصة نخبتها المثقفة – أسيرة لبعض ما جاء في كتابه عن مستقبل الثقافة، وأن يتمادى المتمادون.. في جعل ذلك النص متناً مقدساً لا يأتيه الباطل، ولا يجوز إلا شرحه والتهميش عليه.. في حواشٍ استطال بعضها، حتى تجاوز حجم المتن نفسه. وقد أدى ذلك إلى استمرار وضع البحر المتوسط.. في مركز اهتمام مثقفين، لا يرضون بغير الانتماء المتوسطي وحده – لا شريك له بديلاً – ولا يقبلون بغير الاتجاه المصري شمالاً، وكأن مصر ليس لها جنوب وشرق وغرب، وليس لها شمال شرق وجنوبه، أو شمال غرب وجنوبه.
ثم كأن حضارة مصر- أي ثقافتها ومدنيتها – ليس لها تفاعلات.. إلا مع الهلليني والروماني. وهذا كله أمر مشروع، في ظل حتمية وجود تنوع في التفكير والفهم والتعبير والاعتقاد، ولكن – وآه من لكن – يصبح الأمر محل نقاش واختلاف، إذا كان لدى أصحابه إصرار على مصادرة الآخر، أو التقليل من شأنه. وإذا كانت الحقائق الجغرافية والتاريخية والاستراتيجية.. تشير إلى أن ثمة جذوراً وانتماءات إثنية وحضارية وعقيدية، ومعها جوانب استراتيجية؛ تشمل الأمن القومي المصري.. بأبعادها الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية.. موجودة بين مصر وبين شرقها – أي البحر الأحمر وما وراءه، وما جنوبه وشماله – وبين مصر وهضبة التبت شرقاً، وجنوباً.. بين مصر ودول حوض النيل، والقرن الأفريقي.
ولولا الخشية من الوقوع فيما حذرت منه.. في سطور سابقة، لقلت إن المصالح الاستراتيجية لمصر – ومعها الجذور الحضارية والتفاعلات الثقافية، وكذلك العقائد الدينية «اليهودية – المسيحية – الإسلام».. ارتبطت كلها بالشرق والشمال الشرقي، والجنوب والغرب منه، ويؤكد ذلك – في الحاضر والمستقبل – أن معظم التهديدات والتدخلات جاءت من هذه الوجهات.
ومن هذه المقدمة، وبالتأسيس على «المصالح.. والمهددات»، أقول إن العمل المصري الاستراتيجي السياسي والاقتصادي، بل والعسكري، بما يحول دون تحوُّل البحر الأحمر إلى مصدر تهديد وجودي لمصر؛ هو عمل وطني شديد الأهمية.
وإذا كانت مؤسسات الدولة المصرية – كالرئاسة والخارجية والدفاع.. ووزارات أخرى – تقوم بواجبها في هذا العمل الوطني؛ فإن جهات أخرى.. مطالبة بالتكامل مع مؤسسات الدولة، ومن هذه الجهات الجامعات ومراكز الأبحاث، والأحزاب، ومنظمات العمل الأهلي، وعموم النخبة المصرية.. في مجالات الثقافة بآدابها وفنونها، والاقتصاد أي رجال المال والأعمال وغيرهم.
ولابد أن يتجاوز الاهتمام بالبحر الأحمر.. مجال السياحة والترفيه والمنتجعات، ومجال البترول والتعدين والصيد.. إلى مجالات أخرى واسعة؛ على رأسها معرفة البشر المصريين أهل المنطقة، لأن ندرة نادرة من النخبة الثقافية والعلمية والسياسية، هم الذين لديهم معلومات وافية عن أصول السكان في صحراء مصر الشرقية، وعلى امتداد البحر الأحمر، وعن انتماءاتهم القبلية، وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وثقافتهم السائدة.
وهنا أذكر – بكل الخير والتقدير والاحترام – الجهد العلمي.. الذي قام به الأستاذ الدكتور محمد رجائي جودة الطحلاوي، الذي كان أستاذاً بهندسة أسيوط، ثم رئيساً للجامعة هناك ومحافظاً، وسبق أن كتبت عنه في هذه المساحة، وله مجموعة كتب مهمة منها كتابه «سكان الصحراء الشرقية المصرية: المعازة.. العبابدة.. البشارية»، وفي الكتاب ثمانية أقسام هي: «أيكولوجية الصحراء الشرقية» و«أصل سكان الصحراء الشرقية»، و«قبائل المعازة» و«قبائل البجا.. العبابدة.. والبشارية»، و«أهم الوديان بالصحراء الشرقية»، و«ميناء عيذاب»، ثم «النظام الاقتصادي والحياة الاجتماعية والعادات.. والأدب والفن البدوي».
ولعل كثيرين لا يعرفون أن البحر الأحمر كان يطلق عليه في الأدبيات الحبشية القديمة «بحر إريتريا»، ومن يقرأ كتاب «كبرانجشت».. الذي هو ملحمة دينية وتاريخية وطنية في إثيوبيا، وكتب باللغة الجعزية، ويُعتبر النص الأقدس في التراث الإثيوبي، الذي يؤسس للشرعية الدينية والملكية هناك؛ سيجد مادة كثيرة عن بحر إريتريا، وهنا مربط الفرس الحقيقي في توجه مصر.. نحو توثيق وتمتين العلاقة المتبادلة بينها وبين إريتريا؛ حيث لا يقتصر التهديد الإثيوبي على حقوق مصر والسودان في مياه النيل، وفي جوار إفريقي متعاون مسالم، بل يتعدى ذلك إلى تهديد إريتريا ذاتها، وتأجيج الصراعات في كل الدول الإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، والسعي لتهديد معادلة أمن البحر والقرن الأفريقي.. عبر محاولات إثيوبيا، للسيطرة على منافذ بحرية تخدم أطماعها.
نقلاً عن «الأهرام»