Times of Egypt

أن تحب بلا حدود

M.Adam

د. درية شرف الدين* 

توقعته فيلمًا سينمائيًّا دينيًّا؛ خاصة وأنا في طريقي لمشاهدته.. في مقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.. في حضرة البابا تواضروس الثاني – بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية – لكنه لم يكن كذلك. وتوقعته فيلمًا شبيهًا بالأفلام الكنسية التي تؤرخ للسيد المسيح عليه السلام، ويتكرر عرضها عبر شاشات القنوات الفضائية، لكنه أيضا لم يكن كذلك. وتوقعت أن يكون أبطاله وبطلاته من النجوم السينمائيين المسيحيين، فوجدت أن الأبطال غالبيتهم مسلمون؛ أحمد أمين بن سعد وعائشة بن أحمد، على بن نور ونجلاء بن عبدالله… وغيرهم.

إذن ماذا وجدت؟

وجدت عملًا سينمائيًّا رائعًا.. للمخرج القدير سمير سيف؛ فيلمًا تاريخيًّا برؤية معاصرة، أبطاله وشخصياته والعاملين فيه، من تونس والجزائر ومصر ولبنان وإيطاليا وفرنسا، عملًا بحر متوسطي بامتياز.

يبدأ الفيلم من شوارع باريس.. بجوار برج إيفل، وصحفي جزائري مسلم يعمل في قناة فرنسية.. في طريقه للجزائر؛ حيث عائلته، لعمل فيلم وثائقي عن المفكر والقديس المسيحي (أغسطينوس)، وقد فوجئ الصحفي.. بأن هذا الفيلسوف الذي كان يظن أنه أوروبي، هو أمازيجي الأصل، ولد في شمال أفريقيا عام 354 ميلادية، وأن بلده هو عِنابة الجزائرية الحالية، ودرس – ثم قام بالتدريس – في قرطاج بتونس. وقد برع المخرج سمير سيف.. في تنفيذ فكرة التداخل بين القصة المعاصرة للصحفي الجزائري، والقصة القديمة بين القديس المسيحي أفريقي الأصل روماني الجنسية.. بحكم الاحتلال الروماني لشمال أفريقيا- وبين الشاب المعاصر، وكل منهما يبحث عن الحقيقة وعن الهداية الروحية، وكل منهما مسلم ومسيحي.. من نفس المنطقة وكانت تسمى قديما (نوميديا).

تم تصوير الفيلم وإنجازه في ثلاث سنوات، في نفس الأماكن التي وقعت بها الأحداث الأولى؛ خاصة عِنابّة وقرطاج إلى جانب ميلانو وروما، حيث توجه المعلم القديس أغسطينوس إلى هناك.. باحثاً عن الإيمان، وعن المحبة.. التي كان يقول عنها: (إن حدود المحبة هي أن تحب بلا حدود)، كما أن الفيلم ناطق باللهجة العامية الجزائرية والتونسية. ومما يذكر أنه في زمن الحبيب بورقيبة، تم طبع صورة القديس على دينار تونسى.. تقديراً لما قدمه للإنسانية، كما افتتح الرئيس الجزائري غبدالعزيز بوتفليقة الكاتدرائية المسماة باسمه.. ودشّنها بعد ترميمها.

يعرض الفيلم لوالدة القديس.. القديسة (مونيكا)، التي كانت تنهمر دموعها – بلا انقطاع – شفقة على ابنها، حتى يهتدى إلى طريق الإيمان، ويتسلح بالعلم.. بعيدا عن حياة اللهو التي كان يعيشها في البداية، ومن هنا جاء الاسم (أغسطينوس.. ابن دموعها).

 وقد تمت دبلجة الفيلم إلى ست لغات غير العربية، ويعرض الآن في دول عربية وأوروبية، ومدن أمريكية، وحصل على جوائز عِدّة، وبقى أن يتم عرضه عرضًا عامًّا في مصر.

*وزير الاعلام السابق.

نقلا عن «المصري اليوم» 

شارك هذه المقالة