أحمد الجمال
أترك الجزء الأول، وأتجه مباشرة للجزء الثاني.. رغم أن الأول وهو عن «السلام المستحيل»، فيه ما يمكن الاعتماد عليه.. لتفسير وفهم ما يجري الآن في المنطقة.
أما الجزء الثاني، فهو عن «الديمقراطية الغائبة».
وكلاهما – أي الجزءين – في كتاب واحد.. كتبه الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، وصدرت طبعته الأولى في بيروت عام 1980، ووضع عنواناً فرعياً على غلافه.. تحت العنوان الرئيس، هو «رسائل إلى صديق هناك»!
ولأننا – في مرحلتنا هذه – نشاهد اجتماعات ونقاشات على أعلى مستوى.. حول أوضاع الصحافة والإعلام، وهناك من لا يزال متمسكاً.. بأن الصحافة هي السلطة الرابعة، وهي عبارة أو شعار تردد كثيراً جداً منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين في مصر؛ متزامناً مع إعلان «دولة العلم والإيمان».
غير أن الأستاذ هيكل.. يضع حكاية السلطة الرابعة هذه، على طاولة التشريح التاريخي والسياسي، لنكتشف أصلها وفصلها ومعضلاتها. ونراه يشير لأن مشكلة عالمنا الثالث كله.. أنه – في محاولته لعبور تخلفه – يقع كثيراً في محظور النقل عن السابقين.. للتقدم بغير استيعاب عميق، وهكذا يلهيه «مظهر» التقدم عن «جوهر» التقدم، وتتحول المشكلة إلى أزمة.. حين يصير النقل خطفاً لأشكال وواجهات، وخطفاً لتعبيرات وعبارات.
ويتجه الأستاذ هيكل لقراءة تاريخية سريعة، يذكر فيها أن تعبير «السلطة الرابعة» شاع وذاع.. في أواخر القرن الثامن عشر في إنجلترا وفرنسا، وكان ذلك عصر فوران وثورة. وكانت إنجلترا – عقب سلسلة من الثورات – تبحث عن نظام جديد. وكانت فرنسا تعيش – بالفعل – ثورة عارمة، تسقط نظاماً قديماً.. دون أن تعرف ماذا بعد. وكانت السلطات في ذلك الوقت ثلاثاً.. وليست أربعاً؛ هي: الملك، والكنيسة، والبرلمان. الملك يقول إنه الثلاثة.. في واحد، والكنيسة تعتبر نفسها.. مكلفة من السماء بالقانون، أما البرلمان – وكان فكرة وليدة في التطور التاريخي الهائل – فيحاول أن يؤكد لنفسه ولغيره، أنه الممثل المباشر للجموع، ومصالحهم وحرياتهم وحقوقهم.
كانت الجماهير- التي كانوا يسمونها في ذلك الزمان.. الغوغاء أو الرعاع – موجودة في الشارع، تفجر مشاعرها الثورية في كل اتجاه؛ كانت ضد الملك، وضد الكنيسة، وأحياناً.. ضد البرلمان. وقُطعت في تلك الأيام رؤوس ملوك ونبلاء، واشتعلت النيران في كاتدرائيات وكنائس، وسالت دماء قادة وزعماء.. لم يقدروا طويلاً على تقدم الصفوف الهائجة – وما زال الكلام للأستاذ هيكل – وهكذا، لأول مرة.. ظهرت عبارة السلطة الرابعة، مع سلطات الملك والكنيسة والبرلمان؛ وهي سلطة الجماهير- الرعاع أو الغوغاء، التي تستطيع أن تفرض على الملك والكنيسة والبرلمان.. تفرض بقوة الشعور العام وبقوة الغضب العام.
ثم يشير الأستاذ هيكل – في كتابه «السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة» طبعة بيروت 1980 – إلى أن الكاتب والمفكر السياسي الإنجليزي «ويليام هازليت».. هو الذي وصل العبارة بالصحافة؛ إذ كان في جلسة للبرلمان الإنجليزي، والتفت.. فلمح مندوب إحدى الجرائد.. وكانت الجرائد وقتها أوراق رأي، وفي نظر السلطات الثلاث – أي الملك والكنيسة والبرلمان – أوراق تهييج وإثارة، وعندما التفت ويليام هازليت أشار لمندوب الجريد،ة وقال لصديق يجلس إلى جواره.. «هذا هو ممثل السلطة الرابعة». وكان هازليت يقصد بالطبع – والكلام ما زال للأستاذ – تأثير ما تكتبه جرائد الرأي، أو التهييج والإثارة، على حركة الجماهير.
ثم شاع الوصف للصحافة في القرن التاسع عشر.. في كتابات «إدموند بيرك»، و«توماس كارليل». وبقي يحمل المعنى نفسه.. أي الوسيلة القادرة على تحريك الجماهير- الغوغاء والرعاع حسب الوصف الأوروبي آنذاك – وإثارتهم، وتحويل طاقتهم إلى قوة ضغط من الخارج – أي من الشارع – على السلطات التقليدية الثلاث. أي أن حركة الجماهير.. هي السلطة الرابعة الحقيقية، وصلة الصحافة بها، أنها الوسيلة الوحيدة في ذلك الوقت.. للإثارة والتهييج.
ثم حدثت تطورات اقتصادية واجتماعية، ترتبت عليها تغييرات سياسية دستورية.. تعبر عنها، لتتحول ما كانت تسمى حركة الغوغاء والرعاع، إلى شيء آخر أصبحنا نسميه «الرأي العام»، الذي هو في جوهره حركة جماهير.. حركة في فكرها ووعيها ومزاجها النفسي، وهو أيضاً سلطة بمعنى مجازي، قيمته أنه يستطيع توجيه ضغط غير منظور.. إلى السلطات الدستورية الثلاث؛ حينما يجد أن حركة هذه السلطات.. تتجه بعيداً عن فكرها ووعيها ومزاجها، وربما تتصادم معها جميعاً.
هذا هو الأصل التاريخي للسلطة الرابعة، وفي رسالة تالية للصديق.. الذي هناك، يتحدث الأستاذ هيكل محاولاً الإجابة عن سؤال هو: «هل بيننا من يستطيع تحمل حركة السلطة الرابعة»؟!
نقلاً عن «الأهرام»