زياد بهاء الدين
ما أسهل أن نتأمل المشهد المحيط بنا اليوم، وننتهي إلى أن القومية العربية قد انتهت، وباتت شعاراً أجوف لا قيمة له ولا مضمون، بل ومصدراً للسخرية والتندُّر.
نتيجة منطقية.. في ظل ظروف الانقسام والحروب والاحتلال، والانحدار الاقتصادي والسياسي، التي يمر بها الوطن العربي منذ سنوات طويلة، وليس فقط بمناسبة الحرب الجارية.
ولأي مراقب – موضوعي ومحايد – الحق في أن يعتبر أن المشروع القومي العربي – إذا اعتبرنا أن بداياته كانت في مطلع القرن الماضي، وذروته مع المشروع الناصري – ستكون نهايته هذه الأيام، إذا ما اكتملت تصفية القضية الفلسطينية، وتكريس انقسام السودان واليمن وليبيا، وشق صف مجلس التعاون الخليجي، وسيطرة الديون الخارجية على اقتصادات الدول غير النفطية، وتحكُّم إسرائيل في مصير المنطقة، ونهاية دور جامعة الدول العربية.
… حقيقة، لا أستبعد أن يكون جيلنا شاهداً على نهاية المشروع العربي، المشروع الذي ألهب المشاعر في وقت ما، وحشد الخيال والهمم، لكنه لم يحقق هدفه في أي وقت، بل أقصى ما بلغه.. كان وضع إطار للتوافق بين النخب العربية الحاكمة، والتنسيق بين مصالح قصيرة الأجل، دون أن يضع أساساً حقيقياً ومستقراً.. للتعاون والتكامل والتنمية.
العروبة التقليدية – التي تربينا على مفرداتها – (وحدة التاريخ واللغة والدين، والجغرافيا والحضارة والمصير)، وحفظنا أغانيها وشاهدنا احتفالاتها، لم تنهزم بسبب التحديات الخارجية – فكل أمة، وكل وطن.. يواجهان تحديات خارجية – بل تحت وطأة الخلافات والصراعات بين أبناء الوطن الواحد، والفشل في تحقيق أحلام الشعوب في العيش الكريم.
فهل معنى هذا، أن مفاهيم «العرب» و«العروبة» و«الأشقاء» و«التعاون العربي»، كلها.. باتت لغواً لا قيمة له؟
لا أظن ذلك، بل أرى أننا نشهد نهاية حقبة.. اعتمدت على أفكار ومفاهيم بالية، تجاوزها الزمن، ولم تستجب للضغوط والتغيرات. ولا بأس أن تنتهي. بل لعلها – كلما سارعت بالانتهاء – أفسحت المجال للتفكير في مفهوم جديد.. لأن نكون عرباً، وأن نتعاون في إطار المصلحة الحيوية لكل بلد.
الإطار الجديد المطلوب للتعاون العربي المشترك.. ليس قوامه الوحدة السياسية، ولا قوات عسكرية تتبع قيادة مشتركة، ولا إلغاء الحدود، ولا إنكار الاختلافات؛ بل إطار.. يعترف بالتنوع ويحترمه، ويقدم مصلحة كل بلد، ويبني على القواسم والمصالح المشتركة، ويتعامل بواقعية.. مع الخلافات والمنافسات، ويتبنى أساساً فكرياً إنسانياً.. لا عنصرياً.
الإطار الجديد، يجب أن يكون في الأساس اقتصادياً؛ لأن التعاون الاقتصادي هو العنصر الجامع، وهو ما يحتشد الناس حوله، ويرفع من مستوى معيشة الشعوب، ويمكن قياسه وتقييمه، وتحقيق تقدم حقيقي بشأنه. وأذكركم بالمثل المعروف، أن الاتحاد الأوروبي – الذي لا يزال يمثل واحداً من أنجح نماذج التعاون الإقليمي في العصر الراهن – لم يبدأ بأحلام الوحدة والانصهار، وإلغاء الحدود والجيش القومي؛ بل بدأ بتحالف اقتصادي بين ألمانيا وفرنسا – الخصمين اللدودين في الحرب العالمية الثانية – ثم تطور بشكل طبيعي وتدريجي، حتى بلغ ما بلغه اليوم. وكذلك تعاون دول شرق آسيا.. أساسه اقتصادي وتجاري، وأيضاً تعاون دول أمريكا اللاتينية.
هذا الإطار المنشود، لا ينبغي أن يكون ملكاً للحكومات وحدها؛ تتفق اليوم.. وتختلف غداً. تتحالف اليوم.. وتتحارب بعد أيام. بل يكون ملك الشعوب العربية.. صاحبة المصلحة – الأكيدة والمستمرة – في التكامل والتعاون، والقادرة على ضبط إيقاع التقارب وحمايته.
أدعوكم للتخلص من الفكرة القديمة البالية.. للعروبة والقومية، ولكن لعدم اليأس مما يمكن لشعوب الوطن العربي أن تحققه معاً.. إذا ما وضعنا إطاراً جديداً للتعاون؛ ربما بعدما تنتهي الحرب، وتهدأ المشاعر.
نقلاً عن «المصري اليوم»