سمير مرقص
«في ضرورة الحرب المخططة والناجزة، والقوة الحاسمة».. «المشكلة لا تكمن في قدرة أمريكا على خوض الحرب في الشرق الأوسط، بل في أن حروبها الممتدة على مدى عقود، تستنزف النظام الإقليمي الشرق أوسطي، الذي قامت بهندسته وحمايته واستنزاف مقدراته».. «الحروب الأمريكية – في حقيقتها – لا تنشئ جديداً في الشرق الأوسط، وإنما تعيد إنتاج موازين القوة القديمة، وصراعاتها.. على نطاق أوسع».
ثلاث مقولات.. يمكن استخلاصها من ثلاث مقالات نشرتها دورية «فورين أفيرز» – في عددها لهذا الشهر (سبتمبر/أكتوبر 2026) – لثلاثة كُتَّاب سياسيين بارزين، حملت العناوين التالية..
المقال الأول: «لماذا يجب أن نحارب، وأين أخطأ ترامب؟»، بقلم الباحثة الاستراتيجية «كوري شاكه».. زميل ومديرة دراسات السياسة الخارجية في معهد المشاريع الأمريكية (AEI)، التي خدمت قبل ذلك في مجلس الأمن القومي الأمريكي.. وقت إدارة بوش الابن.
والمقال الثاني: «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي: إيران والنفس الأخير لنظام فاشل»، بقلم أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط «مارك لينش».
أما المقال الثالث: «الشرق الأوسط القديم الجديد: حروب الصوت والغضب»، بقلم الأستاذ الفخري بجامعة تكساس «جريجوري جاوس» – الزميل المشارك في معهد الشرق الوسط.
تنبع أهمية المقالات الثلاث من أمرين؛ هما: مقاربتها التقويمية للسلوك الحربي الأمريكي حيال الشرق الأوسط.. من جانب أول. ثم مستقبل الشرق الأوسط.. في ضوء الحرب الترامبية الأمريكية على إيران.. من جانب ثان.
وتأتي المقالات الثلاث.. ضمن ملف العدد المعنون: «نهاية التحالف»؛ تناول – في المجمل – وضع النظام العالمي الراهن من جهة، وموقع الولايات المتحدة الأمريكية في هذا النظام قيد التشكيل مجدداً.. من جهة أخرى. بيد أن المقالات الثلاث ركزت تحديداً.. على جدوى وفاعلية وحصاد حروب الولايات المتحدة الأمريكية؛ خاصة في الشرق الأوسط.
وبالرغم من تنوع زوايا رؤية المقاربات الثلاث، إلا أننا سوف نجد خيطاً ممتداً بينها.. يعكس الثلاث حقائق التالية؛ الحقيقة الأولى: يمكن استخلاصها من مقال «كوري شاكه»، وهي انفصال القرار السياسي عن التقدير/التخطيط العسكري، وعدم اتساق القوة المستخدمة.. مع الأهداف السياسية المعلنة.. المرتبكة. أما الحقيقة الثانية – كما صاغها «مارك لينش» – فهي إن عدم فهم السياقات المحلية للدول المستهدفة من الحرب الأمريكية، يفتح المجال أمام كوارث محققة.. تحول دون تحقيق الحرب لأهدافها. والحقيقة الثالثة – كما وردت في مقال «جريجوري جاوز» – فهي الاعتقاد بأن القوة الأمريكية سوف تمارس في فراغ.. دون تقدير أن قدرات القوى المختلفة (المحلية والإقليمية والدولية).. من جهة، والتنسيق مع الحلفاء من جهة أخرى، سوف يؤدي إلى إعادة إنتاج الواقع القديم.. مع مزيد من التعقيد.
في ضوء هذا التمهيد، نستعرض في مقالنا اليوم ما كتبته «كوري شاكه»، ونستكمل في المقال الثاني.. عرض مقالي «مارك لينش» و«جريجوري جاوز».
بداية، عنوان مقال «كوري شاكه» هو: «لماذا يجب علينا أن نحارب: وأين أخطأ ترامب؟ Why We Should Fight: And Where Trump Went Wrong». وفيه تنطلق الباحثة من مبدأ عريق في السياسة الأمريكية، يبرر الحرب واستخدام القوة العسكرية.. شريطة توافر استراتيجية واضحة، توجه الحرب، وتحقق الأهداف من شنها. وفي هذا المقام، تستعيد شاكة رؤيتا كل من وزير الدفاع في إدارة رونالد ريجان من 1981إلى 1987 «كاسبر واينبرجر» (1917 ــ 2006)، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية إبان حرب الخليج، ولاحقاً مستشار الأمن القومي في إدارة ريجان ووزير خارجية بوش الابن «كولن بأول» (1937-2021)، وذلك للالتزام بالمبادئ التي وضعاها.. لأي حرب تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية.
بالنسبة لـ«واينبرجر»، تُذكِّرنا «شاكه» بالقواعد الست التي وضعها «وإينبرجر».. لتحكم أي خطة لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية، وهي تتلخص في الآتي..
القاعدة الأولى: يجب أن تكون هناك مصالح وطنية حيوية على المحك.
القاعدة الثانية: يجب أن تكون واشنطن مستعدة لتخصيص الموارد اللازمة لتحقيق النصر.
القاعدة الثالثة: ينبغي لصانعي السياسات أن يحددوا بوضوح الأهداف السياسية والعسكرية.
القاعدة الرابعة: يجب أن يكونوا مستعدين لإعادة تقييم الانتشار العسكري والإنفاق بصورة مستمرة، مع تغير الظروف، وتغير الأهداف.
القاعدة الخامسة: ضرورة الحصول على دعم الشعب الأمريكي والكونجرس.
القاعدة السادسة: والأخيرة، تنفذ القوات الأمريكية المطلوب.
أما بالنسبة «لباول»، فالكاتبة تشدد على أهمية المبدأ الذي طوَّره الرجل، وعُرف في الأدبيات العسكرية/السياسية بـ «عقيدة بأول»؛ التي تتكون من عنصرين..
الأول: الربط الوثيق والدقيق.. بين القوة العسكرية، والأهداف التي من أجلها تستخدم هذه القوة.. بما يحقق المصلحة القومية العليا للولايات المتحدة الأمريكية.
والثاني: التخطيط الدقيق لمراحل الحرب، ومعرفة متى وكيف تبدأ وتنتهي هذه الحرب بالضبط.
وبالنتيجة.. تنتقد «شاكه» ترامب؛ ليس لأنه حارب إيران، وإنما لأنه دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانغماس في حرب ليست لها أهداف واضحة أولا. وثانياً.. لأنه أسقط حصيلة المسار الدبلوماسي، الذي بدأ قبل الحرب بسنوات، وأثمر أكثر من اتفاق؛ بلغة أخرى.. إهمال الجهودوالإنجازات الدبلوماسية.. التي تمت بمشاركة الحلفاء الأوربيين. وثالثاً.. عدم الاهتمام بتوفير الغطاء التشريعي اللازم بتصديق الكونجرس على قرار الحرب. ثم رابعاً.. عدم قدرة الإدارة السياسية للحرب، على تقديم تصور لبدء العمليات العسكرية، وتطورها.. حتى قرار نهاية الحرب.
في ضوء ما سبق، تقرر الباحثة – بحسم – أن «ترامب قد شن حرباً على إيران.. من دون أن يلتزم بالعقيدتين التاريخيتين لكل من «واينبرجر» و«باول»، بل ذهبت إلى تبنِّي ما كتبه أحد المحللين السياسيين في دورية «فورين أفيرز» (مارس 2026).. بأن ترامب يتبنى طريقة أمريكية جديدة في شن الحروب، تناقض مبدأ بأول anti – Powell doctrine»، ومن ثم تطرح سؤالها الجوهري: ما جدوى هذه الحرب؟ ونلفت النظر إلى أن سؤالها.. لا ينطلق من موقف غير مؤيد للحرب، وإنما من قناعة بسوء إدارتها، فما فائدة – تكتب «شاكه» – «البراعة التكتيكية، للعمليات العسكرية واللاجدوى الاستراتيجية tactical brilliance & strategic irrelevance».
وتستعين – في خاتمة مقالها – بنص كتبه «كولن باول» في مذكراته – المعنونة «رحلتي الأمريكية» – جاء فيه: «تحدَّث كثيرون من أبناء جيلي.. من العسكريين الذين صقلتهم حرب فيتنام، بأنه عندما يأتي دورنا في اتخاذ القرارات، فلن نقبل في صمت.. بحرب فاترة، لأسباب هشة، لا يستطيع الشعب الأمريكي فهمها».
تختم «شاكه» نصها بالقول «على وجه التحديد.. الحرب التي خاضها ترامب – حتى الآن – وافق الكونجرس عليها في صمت، لكن لا يزال بإمكانه تغيير المسار»…نتابع غدا.
نقلاً عن «الأهرام»