نبيل عبدالفتاح
التطورات في الديمقراطيات الليبرالية الغربية، والثورات الصناعية من الأولى إلى الرابعة، كانت تعبيراً عن التفاعلات بين الإبداع الفردي وحركية الرأسمالية، والأهم حرية العقل النقدي وحريات الفكر والتعبير والبحث العلمي في العلوم الطبيعية والتطبيقية، وفي العلوم الإنسانية على اختلاف مجالاتها. الأهم هو التمايز الذي حدث بين ما هو وضعي وميتاوضعي، أي بين ما ينسب للقوى غير المنظورة – في الفلسفة القانونية والسياسية الغربية – وبين تنظيم الحياة ونظامها الاجتماعي والأخلاقي وسلطاتها وأنظمتها السياسية ومؤسساتها، وفق العقد الاجتماعي المتمثل في الدساتير والمبادئ الدستورية العامة ، الذي تضعه الإرادة العامة للأمة، وليس الأديان أو المذاهب أياً كانت سماوية أو وضعية، من ثم بات التدين والاعتقاد فردياً ومحمياً في ظل حرية التدين والاعتقاد، وحقوق المواطنة، ولم يعد للمؤسسات الدينية أي دور في السياسة والتشريع.
من هنا كان الوجود الإنساني الحر في الغرب تاريخياً مرتبطاً عضوياً بالحريات الفردية والعامة وميلاد الفرد كفاعل ومشيئة وإرادة حرة ، ومن ثم كان الوجود والفرد الحر أحد محركات العقل الغربي الذي أسهم بفاعلية في تطور الرأسمالية في مراحلها المختلفة، بقطع النظر عن انعكاسات الرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة، وثورة الاستهلاك المفرط في مفاقمة أزمة الوجود والحريات في ظل مركزية حرية الاستهلاك المكثف والتشيؤ الإنساني، وتسليع الحياة الاجتماعية.
ألم يعد شمال العالم في ظل الثورتين الصناعية الثالثة والرابعة قادراً نسبياً كما كان قبلاً على أن يعكس الوجود الفردي، والشرط الإنساني الوجودي من خلال المؤسسات الديمقراطية التمثيلية وآلياتها، وفتراتها الزمنية بين انتخابات لأخرى، لكي يثبت حضوره، ووجوده السياسي في الحياة؟ لأن هذه الآليات الزمنية لم تعد مؤثرة على فاعلية إرادة الجماعات الناخبة والأفراد في إثبات حضورها السياسي، وسط مشكلات سياسية، واقتصادية واجتماعية تتفاقم يوماً بعد الآخر، ما بالنا ببقايا النظم التسلطية والشعبوية في جنوب العالم، وتخلفها التاريخي المركب بل خروجها من التاريخ وفق فوزي منصور، حيث الوجود الإنساني، خضع ولا يزال لقمع الفكر النقدي، وحريات التعبير، وفرض القيود على الحريات العامة.
ثقافة الدين الشعبي الوضعية، ومعها تفسيرات وتأويلات رجال الدين البشرية الوضعية الموروثة، أدت ولا تزال لنفي الإرادة الإنسانية، ووضعها بين ثنائيات ضدية حول الحلال والحرام وغيرهما، وثقافة الأمر والنهي والخوف من التجديد في الفكر الديني، لأنه يشكل تهديداً لرجال الدين.
تأثر الإبداع العربي، حتى في مجال الأدب والرواية والقصة القصيرة والشعر، لأن الحياة وحريات الإنسان المعتقلة سياسياً تؤدي إلى كبح الفعل والتجارب الإنسانية الوجودية للأفراد والمجتمعات. من هنا كان التأثير المستمر لاتجاهات الأدب العالمي وتجاربه المترجمة باتت تمثل متوناً لاستعارات بعضهم، وبعض تخييلاته، واستمرار حضور بعضها من حيث الأشكال، واللغة، والموضوعات، وإسقاطها على الواقع الموضوعي والحياة المعيقة في كل بلد وطبقاته الاجتماعية وبيئاتها، وتأثرت العمليات التخيلية لبعض الكتاب ببعض من استعاراته من متون الأدب العالمي أياً كانت مصادره الأورو-أمريكية، والروسية، أو إلى أمريكا اللاتينية وفضاءات الواقعية السحرية، أو الأدب الإفريقي ما بعد الاستعمار، أو بعض الكتابات الآسيوية من اليابان، حتى كوريا الجنوبية، أو كتابات بعض الذين جاءوا من الجنوب وعاشوا بين ثقافتين في الشمال.
ثمة فيضان من الروايات منذ الانتفاضات العربية، ذهب بعضهم وراء التاريخ، يبحث عن موضوعات وحكايات يبني عليها سروده عن الواقع وهروباً من ظلاله الكثيفة وفشلوا في الغالب إبداعياً، وبعضهم الآخر يقتنص من المنصات السينمائية الرقمية التي تبث الأفلام، والدراما التلفازية بعضاً من أفكارها، ويحاول أن يستعيرها ليكتب بعضاً من الحكايات حول بعض تفاصيل الحياة لبعض الأفراد والبيئات الاجتماعية في بلادهم، من هنا أصبح الأدب استهلاكياً، في بساطته واستعاراته، وتلقيه في سرعة فائقة ويتم نسيانه.
في ظل نفي الحرية والإرادة، تأخر تطور الفكر السياسي، والاجتماعي والفلسفي، على مستوى الإنتاج الخلاق أو التنظير المباشر للواقع، وإبداع رؤى، وتنظيرات مستمدة من الواقع السياسي، والقانوني الاجتماعي، مقيد، على نحو أدى إلى وأد أي محاولات خلاقة لدراسة الواقع الحي وظواهره ومشكلته وتخلفه في هذه المجتمعات. الفلسفة لم يعد يهتم بها أحد في بعض الدول العربية ولم يعد لها وجود في بعض مناهج التعليم في المدارس الثانوية، لأنها ليست جزءاً من امتحانات الشهادات العامة! بينما تهتم الشركات الرقمية النيوليبرالية بها، مع تطورات الذكاء الاصطناعي التوليدي الذاتي، وبدأت بالاهتمام بدور الفلاسفة في برامجها لتطوير الذكاء التوليدي.
يحتاج عالمنا العربي إلى الفلسفة والسوسيولوجيا والقانون في مراحل التعليم العام الإعدادي والثانوي في ظل مجتمعات التفكير الغيبي والأساطير والعقل التواكلي الدائر في فضاء الماورائيات التي تتداخل مع تأويلات الأديان والمذاهب، وتنفي الإرادة الإنسانية تحت هيمنة مفهوم الحتمية، والأوامر والنواهي الدينية لإخضاع العقل الفردي والجماعي. تجمدت مؤسسات البحث العلمي في بعض الدول العربية، مع سياسة الخصخصة وتصفية وبيع القطاع العام، والنيوليبرالية، والتركيز على مشروعات ترفيهية واستهلاكية محضة للطبقات الأكثر ثراء!
من هنا الحاجة ضرورية قبل فوات الأوان إلى احترام وصون حرية وإرادة وعقل الإنسان العربي، أولاً إعادة النظر في جميع السياسات التي أعاقت التطور العلمي، والتكنولوجي، وقواعده ومراكزه البحثية عربياً، وأيضاً في مجال العلوم الإنسانية، في ظل عالم يبدو أنه يغادرنا عربياً.
نقلاً عن «الأهرام»