عادل نعمان
ما كان حديث النبي عن «الولد للفراش وللعاهر الحجر».. تنزيلاً، بقدر ما كان وصفاً لحالة.. استقرت عند الناس، ورضوا بحكمها وعملوا بها، وليس ثمة علاقة بين هذا الحديث وحد الزنا «الجلد». أما الأرجح عند المفسرين، فهو عدم أحقية الخاطئة في المولود، وله الحجر أي «الخيبة»، والطفل حق لصاحب الفراش.. وهو أصل العلاقة الزوجية. ونكرر «وأن الطفل تلده المرأة المتزوجة – والفراش أي علاقة الزوجية قائمة وصحيحة – يُنسب تلقائياً إلى زوجها، وتُحفظ حقوقه الشرعية.. كابنٍ له، حتى لو كان من غيره».
ونكرر للإيضاح «فإذا وُلد طفل على فراش زوجية – علاقة زوجية قائمة – وادَّعى الزوج أن هذا الولد ليس منه، وادعَّاه أيضاً رجلٌ زنى بهذه المرأة، فإن الشرع يُغلِّب جانب «الفراش.. وهو علاقة الزوجية القائمة»، ويُلحق الولد بالزوج. وهذا أمر صحيح في زمانه، والطريق المتعارف عليه لإثبات النسب بعلاقة الفراش! أما وإن اختلفت طرق الإثبات، والتأكيد بأسلوب لا يقبل الشك، فوجب ترك ما كان قائماً، ونأخذ بما هو مستحدث، الأمس غير اليوم، وغداً غير. وهذا هو الأرجح.. عند أهل العلم، وليس المشايخ.
وصل الأمر بالفقهاء بالحديث هذا.. إلى نسب الطفل للفراش، حتى لو غاب صاحبه عنه لبضع سنوات (المذهب الحنفي يرى أقصى مدة للحمل سنتان. والمذهب المالكي يرى أقصى مدة للحمل أربع سنوات، وقيل تصل إلى خمس أو سبع سنوات.. في بعض الروايات. المذهب الشافعي يرى أقصى مدة للحمل أربع سنوات. المذهب الحنبلي يرى أقصى مدة للحمل أربع سنوات، وفي رواية أخرى أنها سنتان)؛ فيعود الرجل من سفره بعد غيابه لسنتين أو أكثر.ز كما أوضحنا. فإذا وضعت الزوجة، ولم يقترب منها مدة سفره أو يعاشرها، ينسب الولد له ولفراشه.. طالما علاقة الزوجية قائمة، حتى لو كانت علاقة الفراش غائبة، وللمولود كافة الحقوق، وهو – على الأرجح – ليس من صلبه.
أما مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، فقد خرج علينا «بتقليعة» جديدة، وباب مفتوح للغش والتدليس، فقد أعطى الحق للزوج.. برفع دعوى نفي أو إنكار النسب، خلال سبعة أيام فقط من الولادة.. أو العلم بها، مع إلزام المحكمة بالاعتماد على التحاليل الطبية الـ DNA؛ كدليل قاطع لحسم النزاع، بشرط عدم ثبوت الإقرار المسبق بالنسب، حتى لو ثبت عدم نسب الطفل له بعد هذا التاريخ، وبنفس طريقة الإثبات.
الغريب أن يسقط هذا الحق، ولا تُقبل دعوى نفي النسب.. إذا كان الزوج قد أقرَّ مسبقاً بأبوته للطفل (عملاً بالقاعدة الفقهية، لا إنكار بعد الإقرار)؛ كعمل سبوع أو عقيقة لهذه المناسبة، وهو أمر يتنافى مع مبدأ العدل، ورد الحقوق والمظالم لأهلها؛ وهو حق أصيل لا يسقط بالتقادم، وهو قانون «غير دستوري، وسنرى قضايا تعج بها المحكمة الدستورية في هذا الشأن»، هل يُتصور أن يحمل رجل وزر غيره، لمجرد أنه بارك مولوده، أو احتفى به بحد أقصى أسبوع من ولادته؟ وما قولكم في قضايا المواريث.. التي ستخرج على الملأ بعد هذا، إذا علم الورثة.. أن وريثاً معهم ليس من صلب مورّثهم، وعندهم دليل علمي معترف به؟
أما عن الجدل الدائر بين الأزهر وبين لجنة إعداد القانون.. حول عرض المشروع على الأزهر، فنغوص فيه على النحو التالي: المرحوم الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض – أستاذ القانون الدولي – له رأي منشور نستعين به، ونؤيده.
أولاً: إذا كان الأزهر يستند للمادة الثانية من الدستور (أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) لا يعني هذا أن مبادئ الشريعة هي المصدر الأوحد للتشريع، وكذلك ليس ملزماً للجهات المعنية أن تأخذ بتفسير الأزهر لأحكام الشريعة دون غيره، كذلك تنص المادة (101) من الدستور على أن: «يتولى مجلس النواب سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة». ولم تذكر المادة اختصاص الأزهر في التشريع، أو الرقابة، أو رسم سياسات الدولة نهائياً. وكذلك ليس من حقه الاعتراض على القوانين، أو مشروعات بقوانين. ونذهب إلى مهمة الأزهر الشريف.. في المادة 7 من الدستور «هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة، ويُؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية». والرأي ليس ملزماً للدولة.. تأخذ به أو لا تأخذ، وليس من مهامه التشريع أو الرقابة.
الأمر بيننا «نحن أنصار الدولة المدنية» وليست الدولة؛ وبينهم هو الدستور الحاكم حتى تاريخه.. أو نغيره بأيدينا.
(الدولة المدنية هي الحل)
نقلاً عن «المصري اليوم»