سمير مرقص
ربما يكون العالم السياسي والاقتصادي الأمريكي «فرانسيس فوكوياما» (74 عاماً).. من أكثر المفكرين السياسيين الأمريكيين الذين كتبت عن أعمالهم؛ فدائماً ما يثير «فوكوياما» الجدل.. بأحكامه الحاسمة والقاطعة؛ إذ تُعد كلمة «نهاية» هي الكلمة المفتاحية للكثير من كتاباته، ما دفعني إلى أن أصفه مبكراً بـ «بمؤلف/كاتب النهايات».
ففي سنة 1989، طالعنا «فوكوياما» – في كتابه: «نهاية التاريخ» – مبشراً بانتصار الديمقراطية الليبرالية انتصاراً نهائياً.. عقب تفكيك الاتحاد السوفيتي. وبعد عشرين سنة – في 2009 – كتب دراسة شهيرة عنوانها: «نهاية الريجانية»؛ منتقداً فيها بشدة.. سياسات الليبرالية الجديدة؛ داعياً إلى إقامة نظام اجتماعي أكثر عدلاً. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان – وتحديداً في 2021، عقب انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان – خصّص الموقع الإلكتروني بمجلة «الإيكونوميست»، الأسبوعية الشهيرة آنذاك، المساحة الرقمية المعتادة لدعوة الخبراء والمعلقين السياسيين.. للتعليق حول قضية أو حدث ما، لتحليل تداعيات هذا الانسحاب. وعليه، قبل العديد من الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين المعتبرين دعوة «الإيكونوميست».. ليدلوا بدلوهم حول تداعيات قرار الإدارة الأمريكية الانسحاب العسكري من أفغانستان، تحت عنوان «مستقبل القوة الأمريكية». من ضمن الذين شاركوا بإبداء الرأي.. نذكر «هنري كيسنجر»، و«نيال فرجسون»، و«فرانسيس فوكوياما».. الذي اعتبر ما جرى في أفغانستان بمنزلة: «نهاية ــ إقصائية ومبكرة ــ للهيمنة الأمريكية على العالم end of American hegemony»؛ ما سينتج عنه تحوُّل جسيم.. في تاريخ العالم.
عكست تلك «النهايات»، المشار إليها وغيرها – التي دأب «فوكوياما» على كتابتها – نهج الرجل في أنه كان دائم التصويب.. للأحكام التي كان يصل إليها على مدى أربعة عقود. وها هو فوكوياما يُطل علينا مجدداً من خلال كتابه الجديد: «في نطاق الإنسان الأخير: مذكرات In The Realm Of The Last Man: A Memoir»؛ شارحاً – في نص واحد مكثف يقترب من 250 صفحة (طبعة رقمية) – كيف، ولماذا.. طور رؤاه ومواقفه؛ لذا عُدّ الكتاب سيرة فكرية وسياسية لفرانسيس فوكوياما.. أكثر من كونه سيرة ذاتية كلاسيكية؛ فبالإضافة إلى المقدمة والخاتمة.. يضم الكتاب 35 فصلاً قصيراً جداً، لا تتجاوز فيه عدد صفحات الفصل الواحد (في المتوسط) الخمس صفحات. اتبع فيها فوكوياما نوعاً من الكتابة.. تتسم بأمرين؛ أولاً: المراجعة الفكرية والموقفية. وثانياً: التفسيرية لكثير من الآراء؛ سواء تلك التي أعلنها من قبل في كتبه المهمة، أو التي يطلقها لأول مرة في المذكرات.. حول الكثير من القضايا.
ولعل أهم ما تتسم به المراجعة والتفسير – اللذين نهجهما فوكوياما – هو إدراكه حجم وتنوع التحولات التي طالت الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.. ما أعطى المذكرات أهمية كبيرة، تشكل هذا الإدراك.. بفعل رحلة حياتية ثرية، يستعرضها فوكوياما.. عبر تنقلاته المكانية مع عائلته اليابانية-الأمريكية، وأثر بعض أساتذته علي تكوينه الفكري؛ خاصة الفيلسوف «ليو شتراوس» (1899-1973)، والمُنظر السياسي «ألن بلوم» (1930-1992) ومسيرته الأكاديمية، وحياته البحثية المؤسسية.. من خلال مؤسسة «راند كوربوريشن» – الكيان البحثي الأشهر في الولايات المتحدة الأمريكية – وانخراطه في الحياة الفكرية، وعلاقاته المتنوعة – الفكرية والسياسية – بالجماعات المحافظة تحديداً.. في وقت من الأوقات، ومساهماته الاستراتيجية.. التي تتعلق بالسياسة الأمريكية داخلياً وخارجياً.
أشرنا إلى أن فوكوياما قد نهج نهجاً مُراجعاً وتفسيرياً لحياته الفكرية بالأساس.. من خلال المذكرات، ولعل الفصل الحادي والعشرين.. يوضح سبب ذلك. يحمل الفصل العنوان التالي: في تغيير الموقف On Changing Your Mind؛ حيث كتب: «للتقدم في العمر، وترسخ المكانة المهنية والاجتماعية.. مزايا وعيوب في آن واحد. أما العيوب فواضحة، فتصورات معظم الناس عن العالم – مواقفهم السياسية، وما إذا كانوا ليبراليين أم محافظين، ونظرتهم إلى المال – تتشكل بفعل تجارب حياتهم في أثناء نشأتهم، حتى بلوغهم نحو الثلاثين من العمر، وبعد ذلك تصبح آراؤهم أكثر تصلباً، ويصعب زحزحتها. وإذا تغيرت، فإنها تظل مستقرة في اتجاهها العام، لكنها تصبح أكثر تطرفاً في المقابل. هناك بعض المزايا للتقدم في العمر تشير إلى الاتجاه المعاكس؛ إذ يصبح في مقدورك أن تُغير رأيك بسهولة أكبر».
في ضوء العبارة التالية، يوضح «فوكوياما» كيف أعاد النظر في كثير من المفاهيم المحافظة، التي كان يروج لها.. نتيجة علاقة التلمذة «لبلوم»، والمدرسة الفلسفية المحافظة على المستوى الفكري.
كذلك انتماؤه فترة للمحافظين الجدد – في هذا الإطار – يشرح «فوكوياما» أن حرب العراق، والأزمة المالية سنة 2008، والسلوك الترامبي،…، إلخ، كل ذلك دفعه إلى..
أولاً: اتخاذ مواقف راديكالية تقربه إلى اليسار الاجتماعي في القضايا الاقتصادية shifted to the left on economic issues.
ثانياً: تصويب موقفه من حرب العراق.
ثالثاً: التحرر من هيمنة الفكر «الشتراوسي» (نسبة لليو شتراوس أستاذ الفلسفة بجامعة شيكاغو الذي كان فكره يتسم بالمحافظة الشديدة. كما كان يُعد الأب الفكري للمحافظين الجدد، وقد عرَّفنا به القارئ المصري مبكراً في دراسة لنا عن المحافظين الجدد نُشرت في عام 2009)، ومن المحافظين والجمهوريين المتشددين.
رابعاً: توجيه النظر إلى تناول الكثير من القضايا تناولاً جديداً؛ فيما يتعلق بالسياسات العامة، وطبيعة دور الدولة، وماهية النظام السياسي،…، إلخ.
وتوضح المذكرات كيف أن فوكوياما مارس نقلة بحثية كبيرة.. من محاولات الاجتهاد الفلسفي والفكري حول موضوعات الليبرالية والديمقراطية والنظام السياسي عبر العصور، إلى تناول موضوعات تهم الإنسان-المواطن.. في حياته اليومية؛ تتعلق بالسياسات الاجتماعية للدولة، وأي بيروقراطية مطلوبة لإدارة تلك السياسات،…، إلخ. وبالنسبة للبيروقراطية، فهناك ثلاثة فصول تناولتها كما يلي: سلطة الفيتو Vetocracy (الفصل 32)، تعلُّم حب البيروقراطيين (الفصل 33)، والمسيرة الطويلة عبر المؤسسات (الفصل 34). ففي هذه الفصول، نرى «فوكوياما» ينتقل من الأطروحات الفكرية والتاريخية ذات الأبعاد الفلسفية والتاريخية والاستراتيجية، إلى تلك التي تؤثر في حياة الإنسان-المواطن بشكل مباشر مثل البيروقراطية.
وبعد، يمكن النظر إلى مذكرات «فوكوياما».. ليس باعتبارها نصاً عن الماضي، بقدر ما هي محاولة لفهم حاضر الديمقراطية ومستقبلها. وربما يكون أكثر ما يميزها.. أن صاحب «نهاية التاريخ» يبدو الآن أقل انشغالاً، بإثبات أن التاريخ قد انحاز إلى اتجاه معين، وأكثر انشغالاً بسؤال وجودي تاريخي، مفاده.. هل؟ وكيف. يستطيع الإنسان أن يبني مستقبلاً أكثر حرية وكرامة ومواطنة، وعدلاً وديمقراطية ومشاركة؟..
… نتابع.
نقلاً عن «الأهرام»