د. نيفين مسعد
في منتصف شهر سبتمبر تقريباً، انطلقت حركة طلابية من إحدى المدارس الفرنسية – جنوب شرق العاصمة – للاحتجاج على تردي مستوى الخدمات التعليمية.. التي تقدمها الدولة؛ انتقد الطلاب اكتظاظ الفصول الدراسية، ونقص المدرسين، وعدم عدالة نظام القبول في الجامعات الفرنسية. وطالبوا بزيادة مخصصات التعليم في الميزانية الجديدة.. وهي بصدد المناقشة.
ولم يلبث نطاق هذه الحركة الطلابية.. أن امتد إلى العديد من المدارس الثانوية الأخرى، والجامعات.. في أنحاء مختلفة من فرنسا. كما حدث تجاوب واسع النطاق مع الحراك الطلابي الفرنسي.. على المستوى الأوروبي، وارتفعت صيحات من قبيل «لنفعل مثلما فعلت فرنسا»، و«النصر لنضال الطلاب في فرنسا».. في أكثر من عاصمة أوروبية. لكن المهم في الأمر، هو أن سرعة انتشار الاحتجاج خارج حدود فرنسا، يعود إلى كون أزمة التعليم فيها.. لامست واقعاً اجتماعياً واقتصادياً متأزماً في دول القارة الأوروبية، وهذا يعني أن البيئة الأوروبية.. كانت مستعدة تماماً للتفاعل مع أحداث فرنسا، وجاهزة لها.
ولا أدل على هذا الاستعداد وتلك الجاهزية.. من أن عام 2026 حفل – منذ بدايته – بالعديد من الإضرابات والاحتجاجات.. في دول مثل بلجيكا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال، شارك فيها الطلاب والمستأجرون والمزارعون والعمال.. أي مروحة واسعة من شرائح المجتمع، كجزء من الثقافة السياسية الأوروبية، التي يُعد الإضراب والتظاهر والاعتصام.. من آليات التفاعل فيها مع السياسات والقوانين بشكل عام، مع مخرجات السلطة. ثم أتى احتجاج طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، فبدأ تحريك أول أحجار الدومينو الأوروبي، ومن بعد ذلك.. بدأ يتوالى تحرك الأحجار الأخرى؛ وكأننا إزاء عدد من الأطراف.. المشاركين في نفس اللعبة.
أما لماذا لم ينطلق انتشار الاحتجاجات من أي دولة أوروبية أخرى بخلاف فرنسا، قبل تحرك طلاب مدارسها الثانوية، فإن هذا يرتبط بالصورة الذهنية.. التي تكونت عن الحركة الطلابية الفرنسية، وكيف أنها لعبت دوراً أساسياً في قيادة عملية التغيير الاجتماعي والثقافي في عام 1968.. داخل أوروبا وخارجها.
لكن الصورة الذهنية عن قيادة طلاب فرنسا للتغيير الأوروبي والعالمي شيء، والواقع القائم شيء مختلف تماماً؛ وذلك أنه ببساطة.. لا يمكن استنساخ تجربة عام 1968، في عام 2026، أو تجاهل قرابة ستين عاماً من التغيير.. تركوا أثرهم على كل شيء تقريباً؛ فالاختلاف كبير جداً بين التاريخين.. سواء على مستوى القضايا المثارة، أو الآليات الاحتجاجية المستخدمة، أو الفئة العمرية للمجموعة التي أشعلت الاحتجاجات. في الستينيات.. كان مبعث الحراك الطلابي، هو القضايا الفكرية الكبرى.. التي شغلت أبناء ذلك الجيل؛ من قبيل رفض السلطة الأبوية على المستويين الاجتماعي والسياسي، والتمرد على التقاليد المحافظة والقوالب الجامدة، وإثارة المسائل المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والمرأة والأقليات، والتضامن الواسع مع حركات التحرر الوطني على مستوى العالم. أما الآن، فإن الأيديولوجيا تبدو غائبة عن الحراك الطلابي.. في مقابل المطالب المعيشية التي تتصدر واجهة المشهد.
ولئن تداخلت الاحتياجات اليومية في بعض الاحتجاجات الأوروبية، مع مطالب لها علاقة برفض سياسات التجنيد الإجباري، والتورط في حروب الآخرين. أو ارتبطت بمقاومة المد اليميني المتزايد على مستوى القارة الأوروبية، إلا أن تلبية احتياجات المواطنين.. تظل هي الأساس.
هذا الاختلاف في نوع القضايا، له علاقة بقدرة الحركات الاحتجاجية في أوروبا.. على إحداث تغييرات جوهرية في بنية الدولة وهيكل السلطة؛ ففي النهاية، تؤدي استجابة الحكومات الأوروبية – ولو بصعوبة.. بسبب مشكلة المديونية – لبعض المطالب المتعلقة بتحسين ظروف التعليم، والعمل، والنقل، والسكن..إلخ، لسحب الزخم من الاحتجاجات الطلابية، وضبط حركة الشارع. وفي الستينيات، كان طلاب الجامعات الفرنسية.. هم الذين قادوا الحراك. أما الآن، فإن القادة الجدد.. هم من طلاب المدارس الثانوية، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً، وينتمون إلى جيل زد.. الذي يوصف بأنه وُلد وفي يده التليفون المحمول.
وهذه النقطة بالذات – الخاصة بدور التليفون المحمول في التعبئة والتجييش – لها علاقة مباشرة بسرعة الانتشار الفائقة.. مقارنة بما كان عليه الوضع في الستينيات. لكن لها علاقة – في الوقت نفسه – بثقافة الترند، وحدود قدرتها على الاستمرار فترة طويلة من الزمن. ويتعزز هذا التأثير المؤقت.. في ظل عدم تأطير الحراك الطلابي في أطر منظمة، تسمح بمأسسته، وتضمن له الاستدامة. يضاف لكل ما سبق.. وجود اختلاف جذري في موقع فرنسا داخل النظام الدولي، الذي تطور.. من نظام القطبين، إلى نظام يمر بمرحلة سيولة. في الحالة الأولى، انسحبت فرنسا الديجولية من حلف شمال الأطلنطي في عام 1966.. لأنها اعتبرته أداة للهيمنة العسكرية الأمريكية على القارة الأوروبية.
وفي الحالة الثانية، فإن فرنسا الماكرونية.. تواجه تنصل الولايات المتحدة المستمر، من مسؤولياتها العسكرية داخل الحلف. وقبل أيام قليلة، وجه ترامب لحلفائه الأوروبيين صفعة قوية.. بإبرام صفقة الديزل مع روسيا، التي تحاربها أوروبا.
هناك إذن، حدود لتطبيق نظرية الدومينو أوروبياً، ومن باب أولى.. عالمياً، بالانطلاق من فرنسا. كما أن هناك حدوداً لقدرة هذا التطبيق.. على الاستمرار زمنياً، بعد أن تهدأ موجة الانتخابات متعددة المستويات، التي تنتظرها أوروبا.. اعتباراً من الشهر المقبل ولمدة عام تقريباً؛ فهناك انتخابات متتالية.. في إسبانيا وألمانيا واليونان وإيطاليا، فضلاً عن فرنسا بطبيعة الحال. والاحتجاجات الطلابية ..هي ورقة ممتازة في أيدي التيارات المتنافسة؛ تقوم بتوظيفها سياسياً لصالحها، ما بين اليمين المتطرف الساعي إلى تعزيز مواقعه في القارة الأوروبية، وإحداث اختراق في الدول التي مازالت تبدي مقاومة له. وبين اليسار المتطرف.. الذي يواجه تحداً لقدرته على انتقاد السياسات الليبرالية الجديدة، وفي الوقت نفسه لا يتوفر له البديل.. في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تعيشها أوروبا.
وبالتطبيق على فرنسا – التي تحرك منها أول أحجار الدومينو – فإنه يدور صراع فيها محتدم بين كلا التيارين اليميني واليساري.. على خلفية الاحتجاجات الطلابية؛ يستغلها اليمين المتطرف لإلقاء مسؤولية تردي مستوى الخدمات الأساسية.. على المهاجرين. ويلتقطها اليسار المتطرف، لينحو باللائمة على السياسات الاقتصادية للحكومة، ونزعتها التقشفية.
وهذا يعني أن الوصول إلى قصر الإليزيه، سيكون أمراً بالغ الصعوبة.. على الساعين إليه.
نقلاً عن «الأهرام»