سمير مرقص
(1) «في الهوية: هويات في شراكة (2015، 2024)»
قبل أكثر من عشرة أعوام، نشرنا دراسة بعنوان: «هويات في شراكة.. على قاعدة المواطنة الثقافية»، وقمنا بتحديثها وضمناها كتابنا – الذي صدر في 2024 – المعنون: «المواطنة والهوية: جدل النضال والإبداع في مصر» (600 صفحة- دار العين للنشر). وحاولنا – في هذه الدراسة – ألّا يكون حديثنا عن الهوية أو حولها.. بل فيها. بلغة أخرى، ألا نتحدث عن الهوية حديثاً استدعائياً للعناصر التراثية إلى الحاضر، أو حديثاً متخيراً لهوية ماضوية.. تُفصَّل للتوظيف أو التطبيق في الواقع الحاضر، أو حديثاً مُتحفياً.. يستعرض مقتنيات مختلفة من الماضي. وإنما حاولنا أن نتلمس الهوية.. في علاقتها بالوعاء الحي الذي يحملها؛ الإنسان/المواطن.. في حركته اليومية في شتى دوائر الحركة؛ الشخصية، والخاصة، والسياسية، والعامة.. بأبعادها المتعددة.
تلك الهوية، التي تتشكل من جراء نضالات المواطن الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.. من جهة. وإبداعات الإنسان المتنوعة على جميع الأصعدة.. من جهة أخرى، على مدى العصور. إذن، قمنا بتتبع الحراك الهوياتي – صعوداً وهبوطاً، حضوراً وغياباً – على مدى العصور. وتتبعنا تطور فهم الهوية.. من خلال جدلها، أو تشابكها.. من خلال المواطن/الإنسان، الذي يحملها مع السياق المجتمعي وتحولاته.
(2) «الهوية: تتجدد وتتمثل وتتطور.. دينامية وليست ساكنة»
تبيَّن لنا من خلال متابعتنا التاريخية للهوية – المفهوم والممارسة – أن التعريف الموسوعي/المدرسي المحايد الفلسفي الإغريقي.. القائل إن الهوية هي: «الشيء نفسه، أو الشيء الذي هو ما هو عليه، أي أن الشيء له الطبيعة نفسها التي للشيء الآخر»، كذلك التعريف.. الذي اجتهد – في المقابل – فيه الفلاسفة والبلاغيون واللغويون العرب مثل: الفارابي (القرن 9 م)، الجرجاني (القرن 11 م)، وابن رشد (القرن 12 م).. بصورة مجردة، والذين خلصوا فيه إلى أن الهوية هي: هوية الشيء؛ ذاتيته، وتشخصه وخصوصيته، ووجوده المتفرد له.. الذي لا يقع فيه إشراك»، قد بلورته الموسوعات في لحظة زمنية معينة كما يلي: «الهوية هي مجموع المواصفات التي تجعل من شخص.. ما هو عينه؛ شخصاً معروفاً أو متعيناً Identified».
ظل هذا المفهوم – الخلاصة – ثابتاً ومستقراً لأزمنة.. حتى منتصف القرن الثامن عشر؛ تاريخ انتقال المجتمع الإنساني إلى الزمن الصناعي.. حيث طال التحديث كل شيء. وعليه لم يعد سؤال الهوية سؤالاً فلسفياً مجرداً، بقدر ما أصبح سؤالاً يرتبط بالإنسان.. في علاقته المركبة بذاته، وسياقه الجديد المختلف كلياً عما قبل.
عندئذ، اتسعت مساحات النقاش حول الهوية، وكثر المجتهدون من حقول معرفية مختلفة في مقاربة الهوية، وكان لهم فضل فتح آفاق معرفية معمقة حول المصطلح.. في إطار علاقته بالكثير من القضايا والإشكاليات، فهناك من عُني بعلاقة الهوية بنظرية الدوار. وهناك من بحث موضوع الهوية.. من خلال علاقته بموضوع الجماعة المرجعية، وعلاقة الهوية بالحضارة، والخصوصيات الثقافية، والعولمة، ومواجهة التمييز.
كذلك، بدء التمييز بين الهويات.. الشخصية، والمجتمعية، والقومية. وكذلك مقاربة الهوية.. في إطار حوار/صدام الحضارات/الثقافات… إلخ؛ ما يُعد نقلة نوعية في مقاربة الهوية، والانتقال في معالجتها.. من كونها حالة «سُكونية»؛ لا تتعرض لأي تغيرات، إلى كونها «قابلة للتجدد، وإعادة التشكل، والتمثل». أي أنها حالة «دينامية»؛ خاصة وأنها باتت تُختبر في كل لحظة.. إنسانياً ومواطنية في سياق/مجتمع دائم التحول. في هذا المقام، نشير إلى أهمية عالم النفس الألماني «إريك إريكسون» (1902- 1994).. في مقاربته للمفهوم – بأكثر من معنى – كما يلي؛ أولاً: بمعنى: «التشابه أو وحدة الشخصية». وثانياً: بمعنى: «حقيقة الشيء أو كون الشيء موثوقاً فيه». ولديه فكرة.. تقول إننا نبلغ معنى الهوية، عندما يشعر الفرد – بعمق وقوة – بأنه نشط وحي، وأن الصوت بداخله يتكلم، ويقول: «هذا هو واقعي وحقيقتي وأصلي». وفي أماكن أخرى، كان يوازي الهوية «بالمشاعر الذاتية المتفاقمة». وخلص في كتابه «طفولة ومجتمع» (1950) إلى أن الهوية الشخصية (والعامة) «تتطور».
(3) «الهوية في زمن الثورة الصناعية وما بعدها»
في هذا السياق، أكدت الكثير من الدراسات.. على أنه بقدر ما يتطور المجتمع/السياق.. إلى الأمام، تتطور هويته بسَمتها التاريخي، وما يستجد من سمات إيجابية، والعكس صحيح. بمعنى آخر، بقدر ما يتحرك المواطن لممارسة مواطنيته، بقدر ما تُفعّل الهوية، وتتجلى في أبهى صورها، تأتي اجتهادات الفيلسوف الكندي «تشارلز تايلور» (95 عاماً).. في تتبع تحولات الهوية واضطرابها.. من خلال التطورات التي حلت بالمجتمع الإنساني، وذلك من خلال مجلده العمدة: «منابع الذات: تكون الهوية الحديثة». فقد أملت مجتمعات ما بعد الحداثة على الإنسان.. أن يحرر ذاته من «ثقل الهويات الجاهزة». وفي هذا يقول تايلور ما نصه: «رافق ميلاد الهوية الذاتية شعور.. بالغبطة والقوة، لأن الذات لم تعد مقيدة في تحديدها بنظام خارجي. وفي الوقت ذاته، انصهر مفهوم الذاتية الحديثة.. بمفهوم الحرية الجديدة».
هكذا لم تعد الهوية: «موروثاً مغلقاً ساكناً.. معزولاً عن التاريخ، وما يطرأ فيه من تحولات؛ وإنما حالة ديناميكية منفتحة على الواقع، تكتسب ملامحها وشرعيتها من ذاتها الحرة». أي أن الهوية أصبحت حرة الحركة، تكتسب ملامحها من حياة إنسانية خارجة على النص، حيث فرضت الحداثة البازغة.. على الإنسان «أن يكون إنساناً على طريقته الخاصة»، أو ما يصفه تايلور «بالأنوية المركزية Egocentrism»؛ حيث يتمحور الفرد حول ذاته، وفي ضوء ما يمليه عليه عقله، المتحرر من كل المسلمات والسلطات، فتتشكل هويته، ورؤاه للواقع، والمجتمع، والعالم.. هذا هو ما آلت إليه الهوية في زمن التحديث…
فماذا عن أزمنة ما بعد الحداثة، والعولمة، والليبرالية الجديدة، والتعددية الثقافية، والرقمنة؟
… نواصل.
نقلاً عن «المصري اليوم»