وجيه وهبة
هي خواطر.. عن بضعة أيام مشحونة بذكرى أحداث جسام مرت بالبلاد، ذكرى وفاة «جمال عبد الناصر»، ثم ذكرى «حرب أكتوبر»، مع ذكرى اغتيال «أنور السادات».
كانت وفاة «جمال عبد الناصر» في 28 سبتمبر 1970.. صدمة موجعة لعموم المصريين، الآملين في تحقيق المجتمع الاشتراكي – مجتمع «الكفاية» و«العدل» – كما وعدهم وصدَّقوه. وكان غيابه عن المشهد العالمي فجأة.. انتكاسة لحركات التحرر الوطني ودول «عدم الانحياز» (أو الحياد الإيجابي)، في جميع أنحاء العالم، فقد كان «ناصر» من أكثر قادة العالم النامي.. تأثيراً على مجرى الأحداث، في النصف الثاني من القرن العشرين، بغض النظر عن رشادة أو عدم رشادة تلك القيادة، وفقاً للرؤى الفكرية والانتماءات السياسية المختلفة.
لم يكن «ناصر» مجرد «رئيس» عابر، بل كان رمزاً وزعيماً.. له «كاريزما» طاغية. وحينما نصف شخصاً ما بأن له «كاريزما»، فإنما نعني أن له سمات شخصية وحضوراً قوياً مؤثراً ومهيمناً، و«الكاريزمات» ليست واحدة، وقد توظَّف الكاريزما بشكل إيجابي خير أو صائب، وقد تتبدَّى الكاريزما وتكشف عن أداءات سلبية أو خاطئة أو شريرة، وكما ذكرنا من قبل – على سبيل المثال – فإن «هتلر» كان صاحب «كاريزما»، وكذلك كان «غاندي».. ولكن شتان بين توظيف كليهما لكاريزمته.
حلَّق «ناصر» بخياله.. في آفاق بعيدة عن قدراته، ووعد الجماهير – من المحيط إلى الخليج – بتحقيق أحلام مستحيلة، فهتفت باسمه، ولكنه قادها وقادته بنزعة شعبوية.. نحو مصير بائس في الخامس من يونيو 1967.
كان «ناصر» ملهماً للجماهير، قادراً على تحريكها بكلمة منه.. حينما يشاء وحيثما يشاء، حتى إن «نزار قباني» رثاه بوصفه «آخر الأنبياء».. «قتلناك يا آخر الأنبياء…». كما رثاه فحول شعراء العربية في تلك الآونة، وأزعم أنهم كانوا صادقين، في ضوء مشاعر اللحظة، وليدة السياق المعرفي والنضج والظرف التاريخي حينها.
الاستماع إلى تسجيل بعض الجلسات السرية للرئيس «ناصر».. مع رؤساء عرب، في الأشهر التي سبقت وفاته، يبين عن حقائق مذهلة، ظلت خافية – أو أخفيت عمداً – يُستدل منها على وجه آخر له، وجه ذي نضج ووعي سياسي جديد، مفارق لأسلوبه «الديماجوجي» الشعبوي.. قبل «النكسة»، وأنه في ذات الوقت.. الذي بذل الجهد الجهيد في سبيل إعادة بناء وتسليح الجيش، ورفع شعار «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة»، كان يسعى لاستعادة الأرض المحتلة التي أضاعها في يونيو 1967… سلماً إن أمكن.
سقط «ناصر»، بعد أن ودَّع أمير الكويت، آخر حاكم عربي غادر مطار القاهرة بعد انتهاء مؤتمر القمة، الذي عُقد في محاولة لوقف نزيف الدماء في الحرب المشتعلة بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية المسلحة بقيادة «عرفات»، فيما عُرف بمذابح أيلول الأسود، ولكأنما هو قد قتلته القضية التي عاش من أجلها.. قضية فلسطين.
من سخرية القدر ومفارقاته الدرامية، أن يتم اغتيال الرئيس «السادات» في عام 1981 أثناء الاحتفال بذكرى السادس من أكتوبر 73، ذكرى ذات يوم فخره وفخر «مصر»، اغتيل وهو بين جنوده، وعلى أيدي بعض من المارقين منهم. وللأسف الشديد، ما زال بعض من الملتحفين بقميص «ناصر ما قبل النكسة».. «ناصر الديماجوجي»، ما زالوا يحاولون الانتقاص من قدر ومكانة وإنجازات «السادات».. في الحرب والسلام؛ بإصرار وعناد، وكأنهم مصابين بمرض «عصاب ناصري» – أو «عمى تاريخي هستيري» – مما يضطر المدافعين عن «السادات».. إلى الرد بتطرف وكيد وإيجاز مخل؛ بقولهم: وهل يستوي من هُزم هزيمة عسكرية منكرة وتسبب في احتلال «الأرض»، مع من حرر الأرض بانتصارات عسكرية عظيمة، واستكملها بجولات تفاوض شاقة.. وحقق السلام لبلاده لتتفرغ للتنمية؟
بالقطع، لم تخلُ سياسات وتوجهات «السادات» من أخطاء وخطايا، ليس بأولها تدليل «الإخوان والتيارات الإسلامية»، وليس بآخرها «بروزة» «الشيخ الشعراوي» و«توزيره»، ولسوف نعرض لها في مقال قادم. لكن، لأن «العبرة بالخواتيم»، فإن «السادات» رحل عن عالمنا وقد حرر سيناء، واعترف في آخر خطاب له.. بخطئه في مهادنة تيارات الإسلام السياسي، وفي القلب منها الإخوان المسلمون، وقُتل ومعظم قادتهم في السجون… ولكن «بعد فوات الأوان».
«ناصر» و«السادات».. كلاهما كان مهموماً بقضايا الوطن، منذ مرحلة الشباب المبكرة، وكلاهما غامر بحياته غير مرة، معتقداً أن ذلك من أجل «مصر» ـ بغض النظر عن صحة أو خطأ هذا الاعتقاد ـ كلاهما كان بليغاً فصيح اللغة والفكر، واضحاً مبيناً حين يتكلم، ذا ثقافة ومعرفة.. تتيح له أن يوصل أفكاره بسهولة ويسر، بلا تلعثم ولا ثأثأة، كلاهما كان قائداً عظيماً.. بمقياس النوايا الطيبة نحو الشعب، والتضحيات الجسيمة التي قدمها، والإنجازات التي حققها. ولكن «ناصر» – على عظمة مآثره وعظمة جماهيريته – انتهى بنا إلى الهزيمة والاحتلال، والآلاف المؤلفة من الضحايا والمصابين.. لطموحات «زعامته» الديماجوجية، وتوريط الجيش في «اليمن»، ثم في حرب «يونية 67» بلا استعداد عسكري، وبلا وعي سياسي وتاريخي.. بعواقب الحركات الخاطئة في لعبة السياسة الدولية.
«ناصر».. أسكرته نشوة الزعامة وعشق الجماهير له، وكان لذلك تبعات كارثية. و«السادات» أسكرته نشوة العبور في أكتوبر، واستعادة سيناء ومعها السلام، وكان لذلك أيضاً آثار خطيرة قاتلة.
«ناصر» و«السادات» – وغيرهما من القادة والرؤساء – يجب.. قبل أن يكونوا مادة للمدح أو القدح، للحب أو الكراهية، للتقديس أو التدنيس، يجب أن يكونوا موضوعاً للدراسة والنقد وتحليل السياسات، للوقوف على ما أثبته كر الزمن من خطأ أو صواب.
نقلاً عن «المصري اليوم»