عبدالله السناوي
لم تكن العزلة الإسرائيلية شبه الكاملة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. مفاجئة، أو عابرة. إنها لحظة كاشفة.. لما قد يؤول إليه مستقبلها.
ربطت دولة الاحتلال – منذ تأسيسها – وجودها.. بقضية الأمن؛ قبل وبعد أي شيء آخر.
… هذه المرة، يُطرح سؤال الوجود.. من زاوية سؤال آخر، يطرح نفسه بقوة: إلى أي مدى تستطيع الدولة العبرية.. أن تواصل الحياة والتماسك الداخلي.. في مواجهة موجات متعاقبة من الإدانات الشعبية والرسمية، التي تتسع يوماً بعد آخر؟
… هل يمكن لدولة ما، أن تظل على قيد الوجود، وهي تناهض العالم كله، وتتنكر لكل قيمة إنسانية؟
إننا أمام انكشاف استراتيجي للسردية الإسرائيلية؛ التي تسوِّغ بها حربي.. الإبادة الجماعية، والتجويع المنهجي في قطاع غزة. وتغوُّل الاستيطان في الضفة الغربية، تأهباً لضمها.. بالمخالفة الفاضحة للقانون الدولي.
قبل أن يصل إلى نيويورك، زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو».. أنه ذاهبٌ ليفند الأكاذيب، ويُطلع العالم على الحقيقة. كان ذلك محض وهم.
ربما تصور أنها فرصة سانحة.. لمخاطبة الداخل الإسرائيلي؛ بخطاب القوة والحرب.. قبيل انتخابات الكنيست الوشيكة. لكن رهانه بدا مشكوكاً فيه.
لم يكن أحد من الوفود الـ 77.. التي انسحبت في طوابير متعاقبة – حتى بدت القاعة الأممية شبه خالية – في حاجة إلى أي استماع لمجرم حرب؛ صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية؛ ليعرف الحقيقة. فيما الصور والشهادات الحية.. تقول كلمتها الدامغة.
حاول أن يبدو متماسكاً، وصف الدول المنسحبة.. بأنها تفتقر إلى الأخلاق. لكنه لم ينجح في إضفاء أية أخلاقية مُدَّعاة.. على المجازر الإسرائيلية بحق المدنيين – النساء والأطفال – في الحروب، التي يخوضها.
… بقوة الصور ورسائلها، وجد نفسه معزولاً ومهاناً.. في أكبر محفل دولي. ومستقبل إسرائيل نفسها.. محل تساؤل؛ كما لم يحدث منذ تأسيسها عام (1948).
بالمفارقة، فإن السردية الإسرائيلية لتاريخ الدولة؛ أسست نفسها على فكرة الدولة الصغيرة الديمقراطية، والحديثة المحاصَرة.. من عالم عربي متخلف ومستبد. لم تعد تلك السردية مقنعة لأحد.. في العالم كله.
ولم تعد جرائم الهولوكوست – التي ارتُكبت بحق اليهود في سنوات الحرب العالمية الثانية – تبرر ما يُرتكب الآن من جرائم أبشع.. بحق العرب والفلسطينيين.
سينما هوليوود.. تكفلت بإثارة التعاطف مع المظلومية اليهودية، لكنها وُظفت لنزع أية مظلومية.. عن الشعب الفلسطيني، الذي ارتكبت بحقه مجازر دامية ومتصلة.
بقوة دعاية المؤسسين الأوائل – الذين تبنوا خطاباً يزعم انتسابه إلى الفكر الاشتراكي – توافدت قوافل من الشباب الأوروبي على إسرائيل.. للحياة، والعمل في الكيبوتسات، أو المزارع المسلحة. هكذا توافرت قاعدة شعبية للصهيونية – بصيغتها العمالية – داخل المجتمعات الأوروبية.
الآن، أزيحت تماماً.. أية ادعاءات مماثلة؛ جرى تجريم المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وأخذت سمتها الحقيقية.. كأعمال عدوانية وهمجية؛ تنتهك كل قيمة إنسانية، أو أخلاقية.
بتعبير «نتنياهو»، فإن «الجيش الإسرائيلي.. هو الأكثر أخلاقية في العالم». لم يعد أحد مستعداً أن يصدق هذا الادعاء.. من مجرم حرب، ولا من حليفه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».. الذي دعا – من فوق منصة الأمم المتحدة – إلى التنصل الكامل من محكمة العدل الدولية؛ هكذا.. بكل استخفاف بأي قانون، أو عدل.
لم يكن ذلك مستغرباً.. على رجل – لوَّح مجدداً من فوق نفس المنصة، بمحو حضارة بلد عريق مثل إيران – لكنه.. بالمفارقة، رفض استقبال «نتنياهو» في البيت الأبيض، هو أو أي من أركان إدارته، كما كان معتاداً من قبل.
أصبح عبئاً ثقيلاً، قد يكلف الجمهوريين خسارة انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس، بما يضع قيوداً مشددة.. على صلاحيات «ترامب». أشارت إلى هذا المعنى.. وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «هيلاري كلينتون»، التي نافست «ترامب» على المقعد الرئاسي في انتخابات (2016).. قائلة: «أنا مؤيدة لإسرائيل، لكن نتنياهو أصبح عبئاً عليها».
في الاستحقاقين الانتخابيين المتتاليين – الإسرائيلي والأمريكي – يتكشف عمق الأزمة الوجودية.. التي تعانيها دولة الاحتلال. وبغض النظر عن أية نتائج انتخابية محتملة – ولكل منها حسابات وتداعيات – فإن الوجود الإسرائيلي.. أصبح بين قوسين كبيرين.
إذا تغيرت موازين القوى في البنية السياسية الأمريكية – وهذا سوف يأخذ وقتاً – فإن قدرة إسرائيل على البقاء.. سوف تضمحل تماماً. والكلام عن الضم، والتوسع، وإسرائيل الكبرى.. لن يكون له محل من تاريخ.
كان التصفيق المتواصل لفيلم «نازا» التسجيلي – الذي يوثق لجرائم الحرب الإسرائيلية – عند الإعلان عن فوزه بجائزة مهرجان فينسيا.. رسالة أخرى، عن الصورة المأزومة في صميم وجودها. طال التصفيق لنحو 25 دقيقة. وكانت تلك أطول فترة تصفيق في تاريخ ذلك المهرجان.. متجاوزة فيلم «صوت هند رجب»؛ الذي يدين وحشية قتل الأطفال المحاصرين بغزة.. دون أمل في نجاة.
أهمية فيلم «نازا».. أنه ينزع عن الجيش الإسرائيلي أية ادعاءات أخلاقية، منسوبة إليه. وباعترافات مسجلة لعسكريين إسرائيليين، فإن هناك استباحة ممنهجة للمدنيين.. بذريعة أن قتلهم لم يكن مقصوداً، أو أنه جاء عارضاً. إنها منظومة كاملة من جرائم الحرب – كما يؤكد الفيلم الوثائقي الإسرائيلي – وفق شعار «لا ماء ولا أكل ولا وقود».
كان ذلك اعترافاً تسجيلياً للمخرجين.. «يوفال أبراهام» و«راشيل تسور»، استدعى اتهامهما بالعمالة والخيانة، والإساءة إلى سمعة الجيش. والدعوة إلى إسقاط الجنسية عنهما!
الصور والحقائق – لا الادعاءات والأكاذيب – تروي سردية المظلومية الفلسطينية والعربية، وتضع إسرائيل ومستقبلها.. عند منحنى الخطر الوجودي.
نقلاً عن «الشروق»