تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

في أهمية نقد الزعماء!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبد الله عبد السلام

نقد زعمائنا الراحلين – خاصة الرئيسين عبد الناصر والسادات – طيلة العام، أصبح من طقوس الحياة المصرية. لكن هناك مواسم معينة.. يشتد فيها الهجوم، ويصبح أولوية على ما عداه.. من قضايا تخص حياتنا الراهنة، وليس ماضينا. ومع ذلك، أعتقد أن هذا النقاش والانتقاد والجدل.. إيجابي ومفيد؛ شريطة ألا يكون اجتراراً لقضايا واتهامات.. تتكرر كل عام، دون دليل أو معلومة جديدة. فالنقد والتمحيص.. هو الأداة الوحيدة لفهم التاريخ. وإضفاء القداسة على الشخصيات التاريخية، وتصويرهم على أنهم «كاملو الأوصاف».. كفيل بأن يجعلنا نكرر نفس الأخطاء التي ارتكبناها في الماضي. 

والنقد يجب ألا يقتصر على الزعماء الراحلين، بل ينبغي أن يشمل المفكرين والأدباء والعلماء والفنانين، وحتى لاعبي الكرة؛ فلا أحد معصوم من التقييم الموضوعي. وبهذه الطريقة تستفيد الأمم من تاريخها، أما الشعوب التي تصنع هالات من القداسة على ماضيها.. فلن تتقدم خطوة للأمام. 

قبل أيام، صدرت في بريطانيا سيرة ذاتية جديدة.. عن العالم العبقري الاستثنائي ستيفن هوكينج، الذي توفي عام 2018.. عن 76 عاماً. كاتب السيرة هو جراهام فارميلو – الفيزيائي المخضرم.. المتخصص في كتابة السير الذاتية – رسم صورة لأحد أبرز علماء الفيزياء النظرية، وعلم الكون.. في العالم الحديث، ورصد المؤلف رحلة إنسان أُصيب بمرض نادر.. أقعده عن الحركة والنطق، وتسبب في ضمور أعضائه، غير آن هوكينج لم يستسلم، واستطاع مواصلة عمل أينشتاين، وتفسير نظرية الانفجار العظيم، والمساهمة بقوة في التعريف بظاهرة «الثقوب السوداء». لكن المؤلف لم يكتفِ بذلك، فمن خلال لقاءات مطولة.. مع أفراد أسرة هوكينج وزملائه وتلاميذه، كشف أنه كان يحمل عيوباً شخصية عميقة – تغاضى عنها المجتمع العلمي – فقد كان متعجرفاً متعالياً؛ عامل إخوته بجفاء وبرود، ونادراً ما كان ينسب الفضل لزملائه، وكان همه الترويج لنفسه فقط؛ باختصار.. كان نرجسياً أنانياً متنمراً على المرأة. 

وأي إنسان قابل للنقد، وإعادة النظر فيما فعل؛ لا سيما إذا كان مسؤولاً سياسياً، تؤثر قراراته على حياة الملايين، لكن هذا النقد يجب ألا يتحول إلى مجرد اتهامات لفظية.. لا سند لها،. ومن عجب، أن المؤرخين والباحثين المتخصصين في تاريخ مصر الحديث.. لم يظهروا في «موسم الهجوم على ناصر والسادات»، ولم تكن هناك دراسات جديدة.. تنير لنا الطريق، وتُفسر بعض الألغاز التي تحيط بفترتي حكمهما. في المقابل، امتلأت الساحة الإعلامية والسوشيال ميديا.. بإعلاميين وصحفيين «مؤدلجين»، ينافحون عن هذا الزعيم أو ذاك. ولم يكن الهدف الإضاءة على نواحي «العتمة» في تاريخنا، بقدر ما كان الهدف «انصر زعيمك ظالماً أو مظلوماً». 

ومثل هذا الجدل.. مجرد حركة في المكان، لا ينقلنا إلى الأمام خطوة واحدة، بل إنه لا يضيف جديداً على الإطلاق. وأفهم أن يندلع نقاش.. نتيجة ظهور كتاب أو دراسة، تُعيد تفسير حادثة أو قرار ما.. استناداً إلى أدلة جديدة. أما أن يثور النقاش، وتندلع المعارك اللفظية.. لمجرد أن مناسبة ما حلت – أو حتى بدون مناسبة – فإن هذا هو الإسهام المصري في تفسير التاريخ. 

… الجدل حول تاريخنا وأبطاله وأشراره.. ضروري، ولكن من أجل أن نتقدم خطوة للأمام، لا أن نُعيد ونزيد.. فيما قلناه مراراً من قبل.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة