أحمد الجمال
ذكرت في مقال الأمس طرفاً من سيرة محمد علي باشا.. الذي حكم مصر بين 1805 و1848. وأشرت إلى المذبحة التي جرت في القلعة، وقُتِل فيها حوالى ألف شخص من المماليك، ومن المصريين.. الذين لا ينتمون إلى المماليك. وتساءلت: هل تكفِّر الإنجازات الكبرى – التي حققها الحاكم الألباني المتمصر – ما ارتكب من جرائم.. في حق من تصور أنهم خصومه، ويهددون استقراره في الكرسي، وحق فئات أخرى من عموم الناس؟
وفي ذلك المقال، اقتبست سطوراً من مصدر تاريخي معاصر لتلك الأحداث، هو كتاب «عجائب الآثار».. للمؤرخ عبدالرحمن الجبرتي. وفي الاقتباس، وردت مصطلحات استعصى فهمها على غالبية من قرأوا وتفضلوا بالتعليق والتساؤل، وأستأذنكم في بعض التوضيح، وبعده أستطرد في ذكر ما جرى بعد المذبحة. لقد وردت كلمة «الوالي».. وهو المسؤول التنفيذي الأول عن حفظ الأمن والنظام داخل المدينة؛ وكان بمثابة قائد الشرطة ومطارد اللصوص، والمسؤول عن تنفيذ أحكام الإعدام. أما «المُحتسِب».. فهو الموظف المسؤول عن مراقبة الأسواق والأسعار، والتأكد من سلامة الموازين والمكاييل، ومنع الغش التجاري، ومراقبة الآداب العامة في الشوارع. ثم يأتي اسم «الضربخانة».. وهي كلمة فارسية الأصل تعني دار سك العملة. واسم «الكيلارجي أو الكيلار».. وهو المسؤول عن المخازن والمستودعات في قصور الأمراء والقلعة. واسم «الكاشف».. وهو حاكم الإقليم أو المديرية؛ مثل كاشف الشرقية أو غيرها. وكان مسؤولاً عن جمع الضرائب، وحفظ الأمن، وصيانة الجسور والترع في منطقته.
وكان «الأغا» – لقب تركي يعني السيد أو الرئيس – ويطلق على كبار قادة الجيش، مثل أغا الإنكشارية، ويطلق أيضاً على المشرفين على القصور والسرايا. أما «الكتخدا» أو «الكهية» فهو نائب الوالي أو الرجل الثاني في الدولة. وأما «البكباشيات» فهي رتبة عسكرية تعني قائد الألف مقاتل.. وأما «الدلاة أو الدلاتية» فهي فرقة من الفرسان الخيالة.. في الجيش العثماني، عرفوا بجرأتهم وشجاعتهم، ولكنهم اشتهروا في أواخر العصر العثماني.. بالفوضى والقسوة ونهب الأهالي. أما «الوجاقلية» فتعني المتنسبين إلى «الوجاقات».. وهي الحاميات العسكرية السبع، التي كانت تحمي مصر، مثل وجاق الانكشارية ووجاق العزب.
وأخيراً فإن كلمة «الألداشات أو اليرداشات» هي كلمة تركية، تعني الرفقاء في السلاح أو زملاء الخدمة العسكرية في الوجاق نفسه، وتُستخدم للإشارة إلى الرابطة القوية بين العساكر.. وهي التي حُرِّفت في عاميتنا المعاصرة، وصارت «الألاضيش».
ويذكر مؤرخنا الشيخ عبدالرحمن الجبرتي.. في مصدره المسمى «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» – وقد كان الجبرتي معاصراً لعهد محمد علي، وشاهداً حياً على ما جرى – أنه بعد أن ذاع خبر المذبحة، وعرف الناس ما جرى.. ابتداء من ميدان الرميلة «القلعة»، وسمعوا صوت الرصاص.. فإنهم انزعجوا وهرب من كان بالحوانيت، واكتملت الكارثة حسب نص الجبرتي: «وعندما تحقق العسكر حصول الواقعة، وقتل الأمراء، انبثوا (انتشروا) كالجراد المنتشر.. إلى بيوت الأمراء المصريين، ومن جاورهم، طالبين النهب والغنيمة، فولجوها – دخلواها – بغتة.. ونهبوها نهباً ذريعاً، وهتكوا حرائر النساء والحريم، وسحبوا النساء والجواري والستات، وسلبوا ما عليهن من الحلي والجواهر والثياب، وأظهروا الكامن في نفوسهم.. ولم يجدوا مانعاً ولا رادعاً. وبعضهم قبض على يد امرأة ليأخذ منها السوار فلم يتمكن من نزعها بسرعة فقطع يد المرأة».
«وحل بالناس – في بقية ذلك اليوم – من الفزع والخوف وتوقع المكروه.. ما لا يُوصف، لأن المماليك والأجناد تداخلوا وسكنوا في جميع الحارات والنواحي، وكل أمير له دار كبيرة فيها عياله وأتباعه ومماليكه وخيوله وجماله، وله دار صغيرة في داخل العطفات ونواحي الأزهر والمشهد الحسيني يوزعون فيها ما يخافون عليه؛ لظنهم أنها بعيدة ومحمية بحرمة الناحية – الأزهر والحسين – وصونها عن الحوادث». عجائب الآثار- الجزء السابع، تحقيق عبدالعزيز جمال الدين، الطبعة الثانية- هيئة قصور الثقافة- وزارة الثقافة، القاهرة 2021.
… ولا أريد أن أستطرد، حتى لا يبدو الأمر اصطياداً.. لتشويه تلك الحقبة من تاريخ مصر – بحكم تصنيف البعض لكاتب المقال.. بأنه معادٍ لما قبل 1952، والحقيقة غير ذلك – وكان هدفي وسيبقى.. هو الاستمرار في محاولة قراءة أحداث التاريخ وحقبه.. قراءة عميقة؛ شاملة لكل جوانب الظاهرة، وإذا كان ثمة انحياز فهو الانحياز للمعايير العلمية والموضوعية، التي لا تُسقط أبداً ما يعانيه الناس.. في مختلف الفئات، من ظلم اجتماعي وعَسف سياسي، وعصف بالقانون الإنساني، مهما كانت عظمة إنجاز نظام سياسي ما.
نقلاً عن «المصري اليوم»