محمد أبوالغار
كتاب مهم – ضمن مجموعتي من الكتب النادرة التي صدرت عن مصر.. في نهاية القرن التاسع عشر، وأول 3 عقود في القرن العشرين – صدرت طبعته الوحيدة عام 1923، ولم تسبق ترجمته، بقلم الكاتبة الأمريكية جريس تومسون.
ركزت تومسون في كتابها.. على المرأة المصرية وعلاقتها بثورة 1919. وتقول إن جمعية المرأة الجديدة.. تأسست عام 1911، لكنها انطلقت مع ثورة 1919. وقابلت الكاتبة طبقات المجتمع المختلفة، وقالت إن الطبقة العليا.. متعلمة تعليماً راقياً، وتجيد الفرنسية.. وأحياناً الإنجليزية. أعلنوا احتجاجهم على الإنجليز، وأرسلوا إلى اللنبي – المندوب السامي البريطاني – احتجاجاً على نفي سعد زغلول ورفاقه. وكانت تقود هذه المجموعة صفية زغلول – زوجة سعد زغلول – وقابلت الكاتبة صفية زغلول، ورأت عندها سيدات باليشمك، وسيدات بملابس أوروبية حديثة.
البيت كان به فرش أوروبي عادي. وقالت لها صفية زغلول.. إنها مسجونة في بيتها، وسعد مسجون في جزيرة سيشل. وطلبت صفية من مساعدتها.. الاتصال تليفونياً باللورد اللنبي، طالبة زيارته، وجاءت الإجابة.. أنه غير موجود. وجاءها خطاب من اللنبي.. يدعوها للسفر إلى سيشل، للإقامة مع سعد زغلول. وأنهم سوف يجهزون قصراً لإقامتهم هناك. وردَّت بخطاب.. بأنها سوف تمكث في بيتها في القاهرة، وقالت: «أنا محل زوجي سعد، وأنتم لن تستفيدون من نفيه. وحتى لو مات.. سوف يحل محله العشرات».
ووقعت نداءً.. يدعو الشعب إلى مقاطعة البضائع الإنجليزية. وقادت زوجة بهي الدين بركات.. المجموعات النسوية في الشوارع، وداخل المتاجر الكبرى.. لتوعية الناس بعدم شراء البضائع الإنجليزية. وتحكي الكاتبة عن مظاهرتين للسيدات؛ الأولى عام 1919.. مشياً على الأقدام. والثانية.. باستخدام 80 سيارة يقود كل منها سائقان. وصوَّرت المؤلفة المظاهرتين. وكانت من القيادات.. السيدة عايدة مرقص حنا، التي كان أبوها وزوجها في المنفى. وشاركت في المظاهرات زوجة واصف بطرس غالي,, الفرنسية، وزوجة د. رياض فانوس.. الأمريكية.
وقابلت هدى شعراوي.. التي أعطتها انطباعاً، بأن المرأة المصرية ليست كسولة أو جاهلة.. كما قيل لها. وانبهرت بشخصيتها، وطريقة كلامها. وزارات الكاتبة – في أحد أحياء القاهرة القديمة – معهداً به فصول تعليمية للفتيات. وحضرت فرح يوسف بك غالي.. في قصر بطرس باشا غالي في الفجالة، وحضر الفرح سعد زغلول للتهنئة. وتحدثت مع ماري وعايدة مرقص حنا، وزوجة بطرس غالي، وأمينة صدقي.
تقول إن المرأة المسلمة.. لم تكن تعمل في المحال الكبرى؛ حيث كانت الفتيات الأجانب وبعض القبطيات يعملن. وقابلت الصحفية عزيزة فوزي، ونبوية موسى.. ناظرة مدرسة السنية للفتيات؛ وهما تمثلان سيدات من الطبقة الوسطى.. اللواتي صعدن لهذه المكانة بالتعليم. وبهرت بنشاط وذكاء هذه المجموعة. وتحدثت عن المدرسة الأمريكية في أسيوط، وتأثيرها على المجتمع هناك.
وأثناء الزيارة الثانية لمصر – عام 1922 – قابلت الملكة نازلي في قصر عابدين، وقالت إنها شابة وجميلة. وكانت في عمر الأميرة فوقية (بنت الملك فؤاد من زوجته الأولى). قابلتها كبيرة الوصيفات.. سيدة أنيقة تتحدث الإنجليزية بطلاقة، وهي زوجة قطاوي باشا.. رئيس الطائفة اليهودية. وعرفت الكاتبة أن نازلي.. ممنوعة من الخروج من القصر. واشتكت لها من الملك، وقالت إنه غيور جداً، ولا يصحبها في سفره للخارج. ويراقب كل شيء.. حتى الكتب التي تقرأها. وقالت إنها تجيد العربية والفرنسية والإيطالية.
قابلت الكاتبة بضعاً من عائلات الطبقة الوسطى.. في بيوتهم؛ وكلهم من الموظفين الأقباط، وبيوتهم نظيفة. وأجمعوا بأن التعليم.. هو الذي رفعهم إلى طبقة أعلى.
وقالت إن المصريين يعملون بالزراعة، واليونانيين بالتجارة. أما الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين.. فيعملون بالصناعة. وتقول إن البدو إرهابيون، ويمنعون وحدة المصريين. ثم تقول إن الفلاحين يعيشون سعداء.. حول نهر النيل، ويكونون ثلثي الشعب المصري، ويعملون ويكدون.. رجالاً ونساءً. وكلهم محكومون بآراء وأفكار رجال الدين؛ الشيوخ والقساوسة، وينفذون ما يقال لهم بدقة.. مهما كان الكلام خاطئاً أو خطيراً. وتقول إن الأمية نسبتها مائة بالمائة.. عند الفلاحين، وإن حياتهم لم تتغير منذ أيام قدماء المصريين.
ودخلت منازل الفلاحين، ووصفت بؤساً لا يمكن تخيله.. في معظم البيوت؛ فهي بدون سقف، ولا يوجد سرير ولا كرسي. وبالطبع، لا كهرباء ولا ماء جارٍ. أرض البيت من الرمل أو الطين، والأطفال عرايا. أما الأكل، فهو كارثة.. لأنه محدود للغاية، وليس به بروتينات؛ فالخبز كان الغذاء الرئيسي.. مع جبنة قريش. وكان أكل اللحوم أو الطيور.. في الأعياد فقط. وظهرت العنصرية الشديدة.. حين تحدثت الكاتبة عن الفلاحين؛ فهي تقول إنهم ليسوا أمناء؛ لا يسرقون.. ولكن يمكن إفسادهم بالمال.
لفت الكتاب نظري.. لقوانين «كتشنر » – المعتمد البريطاني في مصر بين عامي 1911 و1913 – الأول منها: هو منع بيع أو إفلاس أي مزارع.. يملك أقل من خمسة أفدنة، وذلك لتفادي جشع المرابين، واستفاد من هذا القانون حوالي مليون فلاح. وقانون آخر: ينص على إعطاء الفلاح 5 أفدنة من الأراضي المستصلحة حديثاً. وكان معظمها في شمال الدلتا، إلا أن مساحات الأفدنة.. كانت محدودة، وعدد المستفيدين.. قليلااً.
قالت إن سيدات الطبقة العليا.. قمن بمساعدة الرجال في معركة تحرير الوطن، أثناء وبعد ثورة 1919. وقامت مجموعات بتأسيس حركات نسوية.. لمساعدة الفقراء لتحسين أحوالهم التعليمية والصحية، ولكنها – بالطبع – كانت محدودة، وبعيدة عن معظم الفقراء. والطبقة الوسطى.. كانت صغيرة ومحدودة، وغير مؤثرة.
العنصرية كانت واضحة.. في وصف المصريين الفقراء. واعتبرت الكاتبة.. أن المصريين الأغنياء من جنس آخر.
واضح أن ثورة 1919، أحدثت تطويراً كبيراً.. في التعليم والصحة في السنوات التالية؛ ومن ذلك تكوين طبقة متوسطة واسعة، كبرت في ثلاثينيات القرن العشرين، وتمتعت بتعليم متميز، وساهمت في جميع جوانب النهضة المصرية؛ بالإبداع في الثقافة والفن.. بكافة أنواعها.
قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»