زاهي حواس
يبدو أن الملكة الجميلة نفرتيتي.. تعود مرة أخرى إلى الأضواء؛ فعلى الرغم من أنها لم تتولَّ الحكم، فإن ارتباطها بالملك أخناتون وزواجها منه، جعلا منها واحدة من أهم الملكات.. في تاريخ الإنسانية. وأكتب هذه الأيام – بناءً على طلب إحدى دور النشر الكبرى في نيويورك – كتاباً عن «ملكة مصر الجميلة».. نفرتيتي، لتسليط الضوء – إلى جانب شخصيتها وحياتها – على كيف تمت سرقة تمثالها النصفي.. الأجمل في العالم.. من مصر. هذا إلى جانب الدور الذي أقوم به حالياً، من أجل نشر وثيقة تطالب بعودة الملكة نفرتيتي من متحف برلين.
تبدأ القصة في يوم 6 ديسمبر 1912م، عندما عثر عالم الآثار الألماني لودفيج بورخاردت – مدير البعثة الأثرية الألمانية في تل العمارنة – على رأس الملكة نفرتيتي؛ زوجة الملك أخناتون التي عاشت معه في مدينة أخيت آتون (أفق آتون – تل العمارنة حالياً)، وأنجبت منه ست بنات، منهن عنخ إس إن با آتون، التي أصبحت بعد ذلك عنخ إس إن آمون، زوجة الملك توت عنخ آمون.
والغريب، أنه قبيل نهاية حكم الملك أخناتون.. يختفي اسم نفرتيتي من المصادر؛ ما جعل البعض يفسر هذا الاختفاء.. بأن الملكة ربما تكون قد ماتت في حياة زوجها!
لكنني – ومعي عدد كبير من الباحثين – نرى أن هذه الفرضية ليست صحيحة، وأن السبب في اختفاء اسمها.. هو أنها أصبحت شريكة في الحكم مع أخناتون، وأنها غيرت اسمها إلى نفر نفرو آتون، وحكمت حوالي عام. وكان هناك أيضاً اسم «سمنخ كارع» الذي ارتبط بهذه الفترة.
نعود إلى تمثال الملكة الجميل – الذي عثر عليه بورخاردت.. داخل ورشة النحات الملكي تحتمس في تل العمارنة، ويرجع إلى الأسرة الثامنة عشرة، أي إلى حوالي عام 1340 قبل الميلاد – ويمثل واحداً من أهم الاكتشافات الأثرية، نظراً لأنه تحفة فنية رائعة. وهناك العديد من الأدلة.. التي تؤكد محاولات بورخاردت إخفاء رأس الملكة عن أعين ممثل مصلحة الآثار المصرية في ذلك الوقت. وتبدأ تلك المحاولات بإخفاء أن الرأس.. هو رأس ملكية؛ وأنه مصنوع من الحجر الجيري، ومغطى بالجص الملون.. وهذا ما لم تذكره سجلات المكتشف بورخاردت.. في محاولة متعمدة لطمس هوية الأثر المكتشف، تمهيداً لتهريبه إلى ألمانيا.
فعلى الرغم من أن ممثل مصلحة الآثار في ذلك الوقت، لم يرَ أهمية هذا الرأس، فإن القائمة الرئيسية للقسمة.. ذكرت الرأس على أنه «رأس من الجبس الملون، لأحد أفراد العائلة الملكية».
وهنا يوجد أمران.. في غاية الأهمية؛ الأول: أن بورخاردت كان يعرف جيداً.. أن الرأس هو رأس الملكة نفرتيتي. وكان تعريف الرأس.. على أنه لأميرة – وليس لملكة – أمراً مهماً. لأنه إذا ظهر أنه رأس نفرتيتي، فلن يستطيع الحصول عليه.
أما الأمر الثاني: فهو ذكر أن الرأس مصنوع من الجبس. وهو في الحقيقة من الحجر الجيري.. المغطى بطبقة من الجص الملون. وكان بورخاردت يعرف ذلك جيداً؛ حيث يعلم – علم اليقين أنه – لو كتب في سجلاته.. التي يتم النقل منها في محضر القسمة، أن الرأس «من الحجر الجيري»، فلن يستطيع الحصول عليه.. طبقاً للقوانين المعمول بها في ذلك الوقت.
وكان هناك اتفاق، على أن تستحوذ البعثة الألمانية على جميع القطع المصنوعة من الجبس.. إلى برلين، ولذلك فإن إدراج الرأس على أنه قطعة مصنوعة من الجبس، يزيد – بالتأكيد – من فرص حصول البعثة عليه.
وفي هذا الصدد، يؤكد الباحثون على أن بورخاردت.. كان يعرف تماماً ما يفعله، وأنه فعل كل ما بوسعه، لجعل الرأس يبدو أقل أهمية.. أمام ممثل مصلحة الآثار.
كما أثيرت مسألة حالة الطلاء على بعض مناطق الرأس. وقد قيل إن أعمال الترميم، وتقوية الألوان، كان من الممكن تنفيذها.. من دون أن تتضرر. وإن ذلك تم لاحقاً.. في برلين.
وبعد أن ثبت وجود تلاعب مقصود.. في السجلات، التي كانت السند الرئيسي.. في إجراء قسمة المكتشفات الأثرية، بين المتحف المصري والبعثة الألمانية.. يثار سؤالٌ مهمٌ للغاية: هل كانت عملية القسمة قانونية بالفعل؟!
وهناك أيضاً معلومات مرتبطة بعالم المصريات أمبروز لانسينغ، Ambrose Lansing، من متحف المتروبوليتان في نيويورك. وتوجد مراسلات.. تشير بوضوح، إلى أن المسؤول الفرنسي جوستاف لوفيفر – المسؤول عن القسمة – لم يرَ بنفسه رأس نفرتيتي داخل موقع الحفائر، بالصورة التي تسمح له بتقدير أهميته الحقيقية، وأن الرأس جرى بعد ذلك تجهيزه.. لمغادرة مصر. وتشير المراسلات أيضاً إلى احتمال أن الرأس أُرسل إلى ألمانيا بطريقة لم تكن هي الطريقة المعتادة.. لخروج القطع الأثرية، وهناك من ذكر احتمال سفره.. عبر الحقيبة الدبلوماسية. وبعد وصوله إلى ألمانيا، أخفاه بورخاردت عن الجمهور لعشر سنوات؛ بعدم نشر أي معلومات عن رأس الملكة إلا في عام 1923، أي بعد نحو عشر سنوات من اكتشافه.
وبمجرد الإعلان عن الرأس، بدأت المطالب المصرية الخاصة بعودة نفرتيتي إلى مصر. وهذه الفترة الطويلة التي ظل فيها الرأس بعيداً عن الأنظار.. تثير تساؤلات كثيرة؛ فإذا كانت عملية القسمة طبيعية وواضحة، فلماذا لم يظهر الرأس منذ البداية، ولماذا انتظر بورخاردت كل هذه السنوات.. لنشره علمياً وإخراجه إلى النور؟
نعود اليوم إلى كل هذه الوثائق – وخاصة محاضر القسمة، والمراسلات القديمة.. وكل ما كتب عن موسم حفائر 1912 و1913، وكذلك ما ظهر في عام 1923 – لكي نعرف بصورة دقيقة.. كيف تم تهريب رأس نفرتيتي من مصر. هذه الوثائق هي الأساس.. الذي يمكن من خلاله إثبات التعمد.. في إخفاء هوية الرأس المكتشف، وتضليل ممثل مصلحة الآثار المصرية. وهي نقطة مهمة جداً.. في قضية عودة رأس نفرتيتي.
هذه هي القضية التي أعمل عليها الآن؛ فرأس نفرتيتي ليس مجرد قطعة أثرية جميلة، بل هو رأس ملكة مصرية عظيمة.. لعبت دوراً تاريخياً مهماً في تاريخ مصر القديم. ولا يمكن بحال أن نفرط في حق مصر الأصيل بعودة نفرتيتي إليها.
نقلاً عن «المصري اليوم»