أحمد الجمال
رغم أنف من سمع اسمه، ولم يُصلِّ عليه.. ورغمت أنوف من ينكرون علينا – وعلى مئات الملايين من بني الإنسان – الاحتفال بمولده، والاحتفاء بمقدمه.. صلى الله عليه وسلم، وجزاه خيراً بما يستحق.
وفي هذا المقام، أسترجع الذكريات.. في القرية، والحضرة، والخلوة، والشطحة؛ إذ يكون – صلى الله عليه وسلم – حاضراً في الوجدان والعقل. وكم جلست ومشيت.. أردد أبيات بردة الإمام البوصيري؛ التي نظمها في مائة وستين بيتاً من المديح. وأتوقف كثيراً عند الأبيات.. التي تتصل بالنفس البشرية وأهوائها، وكيفية تعامل المرء مع نفسه.. أبياتٌ عميقة الدلالة، هاكم بعض منها:
فَإِنَّ أَمَّارَتِي بِالسُّوءِ مَا اتَّعَظَتْ .. مِنْ جَهْلِهَا بِنَذِيرِ الشَّيْبِ وَالْهَرَمِ
وَلَا أَعَدَّتْ مِنَ الْفِعْلِ الْجَمِيلِ قِرَى .. ضَيْفٍ أَلَمَّ بِرَأْسِي غَيْرَ مُحْتَشِمِ
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنِّي مَا أُوَقِّرُهُ .. كَتَمْتُ سِرًّا بَدَا لِي مِنْهُ بِالْكَتَمِ
مَنْ لِي بِرَدِّ جِمَاحٍ مِنْ غَوَايَتِهَا .. كَمَا يُرَدُّ جِمَاحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
فَلَا تَرُمْ بِالْمَعَاصِي كَسْرَ شَهْوَتِهَا .. إِنَّ الطَّعَامَ يُقَوِّي شَهْوَةَ النَّهِمِ
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى .. حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
فَاصْرِفْ هَوَاهَا وَحَاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ .. إِنَّ الْهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أو يَصِمِ
وَرَاعِهَا وَهْيَ فِي الْأَعْمَالِ سَائِمَةٌ.. وَإِنْ هِيَ استحْلَتِ الْمَرْعَى فَلَا تُسِمِ
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً .. مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ فِي الدَّسَمِ
وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ شِبَعٍ .. فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ
وَاستفْرِغِ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قَدِ امْتَلَأَتْ .. مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ
وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا .. وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ
وَلَا تُطِعْ مِنْهُمَا خَصْمًا وَلَا حَكَمًا .. فَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيْدَ الْخَصْمِ وَالْحَكَمِ
استغْفِرُ اللهَ مِنْ قَوْلٍ بِلَا عَمَلٍ .. لَقَدْ نَسَبْتُ بِهِ نَسْلًا لِذِي عُقُمِ..
إنه تشخيص وعلاج في آنٍ واحد، ولم تكن بردة الإمام البوصيري وحدها.. من تجليات حب الرسول، إذ قد اتخذها شعراء عظام.. من طراز أمير الشعراء أحمد شوقي لينهجوا نهجها. ونجد عند شوقي – في نهج البردة – ما يتصل بالنفس البشرية، ومنه أبيات تقول:
يا نَفسُ دُنياكِ تُخفي كُلَّ مُبكِيَةٍ .. وَإِن بَدا لَكِ مِنها حُسنُ مُبتَسَمِ..
فُضّي بِتَقواكِ فاهًا كُلَّما ضَحِكَت .. كَما يَفُضُّ أَذى الرَقشاءِ بِالثَرَمِ..
مَخطوبَةٌ مُنذُ كانَ الناسُ خاطِبَةٌ .. مِن أول الدَهرِ لَم تُرمِل وَلَم تَئَمِ..
يَفنى الزَمانُ وَيَبقى مِن إِساءَتِها .. جُرحٌ بِآدَمَ يَبكي مِنهُ في الأَدَمِ..
لا تَحفَلى بِجَناها أو جِنايَتِها .. المَوتُ بِالزَهرِ مِثلُ المَوتِ بِالفَحَمِ.
إلى أن يقول أمير الشعراء في نهج البردة:
يا وَيلَتاهُ لِنَفسي راعَها وَدَها .. مُسوَدَّةُ الصُحفِ في مُبيَضَّةِ اللَمَمِ..
الى أن وصل للبيت الذي تصدح به سيدة الغناء العربي أم كلثوم:
إِن جَلَّ ذَنبي عَنِ الغُفرانِ لي أَمَلٌ .. في اللَهِ يَجعَلُني في خَيرِ مُعتَصِمِ.
وقد بلغ عدد أبيات نهج البردة 191 بيتاً، ثم إنه مع النهج على البردة.. كان التخميس والتسبيع عليها، إذ عمد بعض الشعراء المتيمين بحب رسول الله، لنظم قصائد فيها خمسة أشطر، بينها شطرا بيت البوصيري، وهكذا التسبيع سبعة أشطر. ومن أشهر التخميس، ما نظمه الشيخ العماني سعيد بن خلف الخروصي، ومنه مثلاً أن البوصيري أنشد:
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ .. وَأَوْمَضَ البَرْقُ فِي الظَّلْماءِ مِنْ إِضَمِ..
فأنشأ الخروصي مخمساً يقول:
أم من لواعج أشواق مزاحمة..
أحشاء نفس بحكم الحب عالمة..
أم من تباريح وجد فيك قائمة..
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة..
وأومض البرق في الظلماء من إضم.
ومع التخميس.. جاء التسبيع، ومن أشهره تسبيع البردة للإمام البيضاوي، ومنه مثلاً تسبيع على بيت البوصيري:
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على .. حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم.
إذ أنشد البيضاوي:
الله يرفع عنها العجب والكسلا..
لأنها ألبستني في الهوى حللا..
فلا تدعها تسير العجب والخيلا..
وكن عن اللهو يا مغرور منعزلاً..
واسمع لما قال فيها شيخنا مثلاً..
والنفس كالطفل إن تهمله شب على..
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.
وهكذا.. وبالحب والوجد وحدهما تدفق الإبداع.
نقلاً عن «الأهرام»