تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

فوضى تعارض المصالح

M.Adam
زياد بهاء الدين 

زياد بهاء الدين

فتح ملف تعارض المصالح.. إعلامياً – على نحو ما جرى الأسبوع الماضي – أمر مطلوب ومفيد؛ فالقضية مهمة، والملف بحاجة للنظر. ولكن الذي حدث، أن الجدل الدائر.. انصبّ على مجال البنوك وحده، وعلى دور الوزراء. 

… الموضوع أكبر وأهم؛ وهو تعارض مصالح كبار مسؤولي الدولة عموماً، ونزاهة الوظيفة الحكومية، وكل ما يدخل تحت عنوان.. «حوكمة الجهاز الحكومي». هذا الموضوع الأوسع.. يستحق المناقشة الجدية؛ بسبب الفوضى التي تحيط به.. سواء في القوانين والقرارات، أو في الممارسات العملية، أو في المعلومات المتاحة. 

هذا يجعل من الصعب.. التفرقة بين الصواب والخطأ، بين المخالف والملتزم، وبين ما هو «طبيعي» وما هو خارج عن المألوف. هذه الفوضى ليست حتمية، بل لها – في تقديري – أسباب محددة وقابلة للتصحيح؛ هناك العديد من النصوص القانونية.. التي تحدد الأنشطة التي لا يجوز للوزراء أن يمارسوها، بجانب عملهم الأساسي؛ نصوص في الدستور، وفي قوانين.. الشركات، والوظيفة المدنية، والكسب غير المشروع وغيرها. 

وهذا التعدد في القوانين – وتداخلها – هو ما دعا لصدور قانون مستقل؛ «القانون رقم 106 لسنة 2013، بشأن حظر تعارض مصالح المسؤولين في الدولة»، (الذي شرفت بإعداده مع زملاء أعزاء، ثم تقديمه لمجلس الوزراء).. وهو لا يكتفي بوضع القيود والمحاذير العامة، بل يقدم تنظيماً كاملاً لتعارض المصالح؛ بما في ذلك تعريفه، وتحديد حالاته، وبيان المحظور والمسموح، وعقوبات مخالفة أحكامه. 

يتميز هذا القانون كذلك بثلاثة أمور؛ الأول: أنه لا يخاطب الوزراء فقط، بل «كبار المسؤولين في الدولة»، وهذا تعبير محدد التعريف. والثاني: أنه لا يتناول مجالاً واحداً.. كالبنوك أو غيرها، بل يغطي كل الأنشطة الاقتصادية. وأما الثالث: فهو أنه يتعامل بواقعية مع الموضوع، فلا يمنع كل نشاط وكل ملكية تجارية، بل يسعى لتنظيم وتحديد.. ما هو جائز، وما يحتاج لإجراء معين لتقنينه، وما هو محظور تماماً.

لماذا استمرّت الفوضى الراهنة إذن.. رغم صدور هذا القانون الشامل؟ 

ببساطة، لأن تطبيقه لم يكتمل. كان المفروض – وفقاً لنصوص القانون نفسه – أن تصدر له لوائح تنفيذية.. لم تصدر أبداً. وأن يجري تشكيل «لجنة للوقاية من الفساد».. بمهام محددة لم تتشكل. وأن تتم التوعية به، ومتابعة تنفيذه، ولكن تم تجاهله. 

هناك أيضاً.. «فوضى» أخرى في موضوع متصل؛ وهو حماية المال العام. 

القوانين التي تنظم هذا الموضوع.. قديمة، وتنتمي لحقبة تاريخية واقتصادية انقضت، ولم تعد مناسبة للأوضاع الراهنة، وما طرأ على الاقتصاد المصري من تغيرات عميقة. 

… هذا يحتاج تشريعاً جديداً.. لحماية المال العام، وتفكيراً معاصراً.. ومختلفاً تماماً عن الماضي. 

… وهناك «فوضى» ثالثة، مصدرها ما يسمى «تمثيل المال العام». فالدولة تملك أصولاً كثيرة، وحصصاً ومساهمات.. في مئات الشركات؛ وكلها لها مجالس إدارة، وجمعيات عامة.. يجب أن شغلها ممثلون لملكية الدولة، وإلا بقي هذا المال العام.. بلا تمثيل وبلا حماية. وهذا يفتح أسئلة كثيرة: من يمثل هذا المال؟ وما المؤهلات المطلوبة؟ وما التعويض المالي المناسب؟ وكيف تكون هناك متابعة لهذا التمثيل؟. 

وهنا، نجد أن قرارات عديدة.. صدرت عبر العقود الماضية؛ رئاسية، ووزارية، ورقابية.. تناولت هذا الموضوع – ولكن بشكل جزئي، وبتناقضات بينها – وهو ما أضاف لفوضى تعارض المصالح. 

هذه الفوضى ليست حدثاً طارئاً، ولا تراكمات تاريخية. بل كل فوضى.. وراءها من يستفيدون من الغموض، ومن تداخل النصوص، ومن الضبابية. 

لهذا، فلا سبيل لضبط الموضوع.. إلا باستكمال المنظومة القانونية والرقابية، وبزيادة الوعي به، كي يتضح تماماً: ما الصواب وما الخطأ.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة