عبدالله عبدالسلام
كلما شاهدتُ صور مصر.. التي تلتقطها الأقمار الصناعية، تدافعت الأسئلة في رأسي.. عن العلاقة بين تكوين مصر الجغرافي، وسلوك المصريين وثقافتهم وتعاملهم مع الحياة والعالم.
قبل أيام التقط القمر الصناعي الأمريكي «NOAA-20» صوراً ليلية لمصر.. يبدو نهر النيل شريطاً متلألئاً من الضوء، يشق طريقه عبر آلاف الكيلومترات من الصحراء الأشد جفافاً في العالم.
القاهرة الكبرى.. تظهر كأكثر المناطق سطوعاً وضوءاً. هناك شكل «مروحي» مضيء ممتد نحو الشمال، هو الدلتا. الفيوم.. تبدو على شكل قلب أخضر، أو منخفض طبيعي داكن.. وسط الصحراء. مصر إجمالاً تظهر – في الصور الفضائية – كواحة طويلة خضراء مضيئة ليلاً، تُحيط بها الصحراء، بل تمسك بتلابيبها.
التناقض الحاد واضح للغاية. مناطق مضيئة تتراوح بين 5 و8٪.. هي كل ما يعيش عليه 95٪ من المصريين، بينما المساحات المتبقية.. صحراء جرداء، لا يسكنها أحد تقريباً. إنها ثنائية الوادي والصحراء؛ الوادي يعبِّر عنه اللون الأخضر، في مقابل اللون الأصفر الذي يكسو الصحراء، وبالتبعية الخريطة المصرية. هذا التباين الحاد والصارم.. كان من المفروض أن ينعكس على صفات المصريين عبر التاريخ.
أن تكون الحدة، بل العنف والعزلة، من سماتهم. لكن العكس حدث. ظهرت فجوة بين ما تبدو عليه الخريطة.. ذات اللونين الأخضر (القليل) والأصفر (الكاسح)، وواقع المجتمع المليء بالتعددية والعُمق. ولكن البساطة في الوقت نفسه. الجغرافيا فرضت المكان، لكن التاريخ والموقع والبشر.. فرضوا الحضارة، التي تعني أولاً وقبل كل شيء، التفاعل مع الآخر والمرونة والتعاون.
المصريون أقاموا حضارتهم.. بالرغم من جغرافية بلادهم، وليس بسببها.
صحيح أنهم اعتمدوا على العناصر الخضراء فيها؛ أي النيل والمناطق الصالحة للزراعة حوله، إلا أن اللون الأصفر كان يهددهم دائماً.
حارب المصريون جغرافيتهم.. بالعمل عكس صفاتها. الجغرافيا قاسية، لكنهم تمتعوا بالسماحة والمودة، والرغبة في الحياة، وعدم الاستكانة للواقع الصعب.
جغرافية مصر ثنائية، وليست تعددية؛ النيل والأرض الصالحة للزراعة والمعيشة من حوله (لا تتجاوز المسافة بين النهر والصحراء 20 كيلومتراً)، والصحراء التي هي القاعدة وليست الاستثناء.
في العقود الأخيرة، تغيرت طباع المصريين.. كما يقول باحثو علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد.
المفكر الراحل جلال أمين.. تساءل: ماذا حدث للمصريين؟
دراسات لا حصر لها.. صدرت عن نفس المسألة، وإن بأساليب ومناهج علمية مختلفة. أصبحت الحدة والعنف، وعدم تقبل الآخر، وكراهية التعددية.. من بين سمات الكثيرين منهم. هل طبعت عليهم جغرافية مصر.. التي رفضوا على مدى آلاف السنين تقسيمتها القاسية والظالمة بين الأخضر والأصفر؟ هذا الرفض الذي بنوا بفضله إحدى أعظم الحضارات في التاريخ.
المفارقة، أن المصريين الآن يزحفون نحو الصحراء.. لتعميرها والبناء عليها. لكن طباعهم وعاداتهم وسلوكياتهم، تقترب للأسف من أن تكون «صحراوية».
هذه التساؤلات لمعت في ذهني.. عندما شاهدت الصور رائعة الجمال لمصر من فوق.
ومع ذلك، فإن الواقع على الأرض، لا يمكن التعرف عليه بدقة من الغلاف الجوي. الأمر في حاجة إلى دراسات ومشروعات بحثية مُعمّقة. نريد أن نعرف لماذا «تصادقنا» مع الصحراء واعتنقنا قيمها، وتخلينا عن تاريخنا القائم على السماحة والبساطة والتعددية وقبول الآخر؟
نقلاً عن «المصري اليوم»