تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الاقتصاد العالمي وإفقار المستقبل

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

يقدم لنا المُنظر السياسي والمؤرخ البريطاني «تيموثي ميتشل» (71 عاماً)، مساهمة فكرية أصيلة وثرية جديدة، تضاف إلى تيار نقد الرأسمالية المعاصرة.. من خلال كتابه الصادر في مارس 2026 في 400 صفحة، بعنوان: «ذريعة رأس المال: كيف دمرنا الأرض لسرقة المستقبل على وعد بمستقبل أفضل The Alibi of Capital: How We Broke the Earth to Steal the Future on the Promise of a Better Tomorrow». ينطلق المؤلف – في مستهل المقدمة – من ملاحظة مفادها أننا: «نعيش في عصر يبدو فيه أن ثروات استثنائية.. تأتي من مصادر غير قابلة للإدراك unfathomable sources»…

وما دفعه إلى هذه الملاحظة.. كيف أن شركة مثل «أوبر»، لا تملك السيارات التي تنقل الركاب، ولا تحقق بالضرورة الأرباح المتعارف عليها – عند بداية انطلاقها – إلا أنها استطاعت أن تحظى باهتمام المستثمرين، ومن ثم تدفعهم إلى تخصيص الكثير من رأس المال آنذاك، لعوائد لم تأتِ بعد، ولن تأتي إلا بعد تعميم التطبيق، أي في المستقبل.. بالنسبة لوقت انطلاقة التطبيق. 

ويفصِّل المؤلف ملاحظته بالأرقام.. كما يلي: «عندما طرحت شركة أوبر الأمريكية أسهمها للاكتتاب العام في عام 2019، حدّد سوق الأسهم قيمتها بنحو 82 مليار دولار؛ وهو رقم هائل بالنسبة إلى شركة لخدمات السيارات.. لم يتجاوز عمرها عشر سنوات، ولا تملك سيارة واحدة، ولم تحقق أرباحاً قط. هذا الأمر فسرته وسائل الإعلام – في ضوء استعارة مستمدة من علم الأرصاد الجوية – بأن أرباح المستثمرين المتوقعة.. تحلق في طبقة «الاستراتوسفير» stratospheric (الطبقة العليا من الغلاف الجوي)». 

كما أشار أيضاً المؤلف إلى أن «استثمارات جولدمان ساكس – البالغة خمسة ملايين دولار في أوبر عام 2011 – باتت ذات قيمة تتجاوز نصف مليار دولار الآن. أي عائد يزيد على ألف في المائة خلال ثماني سنوات. وعن ذلك، يقول «ميتشل» إن الخبراء المتابعين.. انتقدوا هذه الظاهرة، إذ وصفوا تلك القيمة المرتفعة لأوبر بأنها «شيء جرى استحضاره من الهواء القليل thin air»؛ أي من لا شيء تقريباً.

ملاحظة «تيموثي ميتشل» الاستهلالية، هي جوهر أطروحة الكتاب.. التي يمكن بلورتها في الآتي: «كيف تجعل المستقبل المتوقع.. مصدراً لقيمة حاضرة؟»؛ فالمستثمر/المساهم لا يشتري فقط ما تملكه أوبر اليوم، إنه يشتري توقعاً.. لما ستصبح عليه الشركة غداً، بينما تتحول هذه التوقعات إلى قيمة مالية في الحاضر.

وإذا كان المثل الذي استهل به «ميتشل» مقدمته، لا يعكس خطراً على حياة الناس، إلا أنه يعتبره نهجاً يتم استخدامه في كثير من عمليات الاستهلاك والاستنزاف/الإنهاك.. التي تتم من خلال الأنشطة الرأسمالية، التي تتعامل مع البيئة والطبيعة. إذ إن تلك الأنشطة.. تستبيح استنزافاً لا يتوقف للثروات والموارد الطبيعية، لتلبية احتياجات التشغيل الرأسمالي الراهنة. الأمر الذي أدى إلى الإخلال الفادح للتوازنات الإيكولوجية (البيئية).. ما أدى إلى «تصادم الحضارة الإنسانية مع العالم الطبيعي»، والتسبب في أضرار جسيمة للنظم الطبيعية والبيئية والبشرية.. تضاعف – بالأخير – من احتمالية تدمير الكوكب، وانقراض نسبة قد تصل إلى 40% من الكائنات الحية، التي تعيش عليه. وتُعد هذه الاستباحة – في حقيقتها – انتقاصاً من حق الأجيال القادمة.. في العيش حياة عادلة وكريمة، تصب فيما أطلق عليه «تيموثي ميتشل»: «إفقار المستقبل impoverishment of the future».

يُضفِّر «تيموثي ميتشل» فكرته النظرية.. عبر الدراسة التاريخية المقارنة بين أداء الرأسمالية في الماضي والحاضر، وأثر هذا الأداء على الاقتصاد العالمي.. في أن يتوجه إلى ما أطلق عليه: «استهلاك المستقبل»، من خلال «تدمير ــ مقدرات ــ الأرض»؛ باستنزاف الثروات والموارد، وتخريب الأنهار والمجاري المائية، وحرق الكربون، واستعمار جديد للأراضي،…، إلخ. ما يعني أننا أمام اقتصاد عالمي، يعزز الاستيلاء على المستقبل.. «لا من خلال الكفاءة التقنية، وتحسين الرفاه الجمعي للبشرية، وإنما ببناء قوة احتكارية».. تستأثر بخيرات الحاضر على حساب المستقبل (استهلاك المستقبل)، ما ينتج عنها تكريس نمط اقتصادي عالمي عابر للزمن ــ يتسم بالآتي: «إفقار الكثرة وإثراء القلة mode of impoverishing the many and enriching the few».

يعمق المؤلف فكرته من خلال مقاربة متعددة المستويات: التاريخ، الاقتصاد، الحضارة، التكنولوجيا، المناخ، استشراف المستقبل،…؛ للإجابة عن سؤال: كيف وصلنا إلى تلك اللحظة التاريخية، في الحاضر، وإلى هكذا اقتصاد عالمي تدميري؟ 

يجيب «ميتشل» على هذا السؤال.. في فصول الكتاب، التي ناقش فيها قضايا «اختراق الأرض. وقتل الأنهار. ثم مناورة الالتفاف الرأسمالي». قبل أن ينتقل إلى «قراءة كتاب المستقبل، وخصائص الأسواق، مع عمل مستمر في إقامة بنية تحتية.. عابرة للزمن». ثم استشراف «وضع أفضل… غداً؟» فيما يتعلق بـ «أزمة المناخ».. باعتبار ذلك ذريعة للنمو.

في هذه الفصول يتدرج «ميتشل» في استعراض أطروحته؛ فيبدأ من الماضي.. بأن «تاريخ الشركات المساهمة – التي بدأت كشركات تجارة مسلحة، تأسست قبل قرون – سعياً إلى السيطرة على التجارة العالمية. وقد مكنتهم هذه الشركات من استعمار الأراضي، وإخضاع الشعوب أو القضاء عليها في أنحاء مختلفة من العالم». في الماضي كانت مثل هذه الأساليب في الإثراء تمثل – في العادة – استثناءً لا قاعدة، ومحكومة بقواعد تحددها الدول وفق مصالحها. 

وقد كان المستقبل – الذي كان يمكن استخراج فائض منه – محدوداً آنذاك.. بطول دورة المحصول، أو بمدى الطريق التجاري العابر لأقاليم القارات على خريطة العالم. بينما باتت لتلك الشركات اليوم.. اليد العليا للسيطرة على المستقبلات – خاصة مستقبلات الطبيعة والبيئة والمناخ – عبر القارات؛ بالحصول على الإيرادات من المستقبل. 

بلغة أخرى، أصبح الاقتصاد العالمي الاحتكاري.. المتعدي للحدود، يسير في اتجاه معاكس؛ إذ يأخذ ما يتوقع الحصول عليه غداً، ويحوله إلى قيمة يستفيد منها اليوم.. من خلال الرسملة والدين والأسهم. أي أن تتحول الإيرادات المستقبلية المتوقعة.. إلى أصول حاضرة. هكذا تصبح العمليات الاقتصادية العالمية، تدور في المستقبل.. لصالح الحاضر؛ مستبيحة تحميل الأجيال القادمة.. عبء دفع التكلفة.

وبعد، تمثل أطروحة «تيموثي ميتشل».. حول تدمير رأس المال لمستقبل البشرية، محطة فكرية بالغة الأهمية، جديرة بالنقاش.. لأنه يوجهنا إلى مراجعة النظام الاقتصادي العالمي؛ انطلاقاً من سؤال جوهري: كيف يمكن للنظام الاقتصادي العالمي الراهن – المأزوم، والقائم على استهلاك المستقبل – أن يصبح منقذاً للمستقبل؟

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة