تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

دكتور أحمد يوسف أحمد.. الفائز بجائزة النيل

M.Adam
نيفين مسعد

نيفين مسعد

حصل دكتور أحمد يوسف أحمد على جائزة النيل لهذا العام.. في فرع العلوم الاجتماعية، وبذلك يكون هو الفائز الرابع بها من خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.. بعد كلٍ من الدكاترة الأعلام؛ مصطفى الفقي، وجودة عبد الخالق، وعلي الدين هلال.

ويمثّل حصول دكتور أحمد يوسف أحمد.. على أرفع الجوائز المصرية؛ تتويجاً لمشوار حياته.. الذي يمكن وصفه، بأنه تميّز طوال الوقت بالسير على خطين متوازيين.

الخط الأول: هو خط الأستاذ الجامعي، الذي يؤدّي دوره المعروف.. في تعليم الأجيال وإنتاج المعرفة. والخط الثاني: هو خط الشخصية العامة، التي تشتبك مع قضايا الداخل والخارج. وفي تناولي لهذين الخطَين، سأركّز على ومضات قليلة، لكنها كاشفة.. لبعض جوانب شخصيته.

لم ينقطع أحمد يوسف عن التدريس قط بمصر.. منذ تخرّجه في عام 1969 من قسم العلوم السياسية – باستثناء فترة إعارته لقسم العلوم السياسية في كلية التجارة بجامعة صنعاء؛ حيث كان له دور تأسيسي في المراحل الأولى – وقصة الإعارة هذه.. جديرة بالرواية لدلالتها. كانت الكلية في عهد عميدها الدكتور رفعت المحجوب.. قد رشّحته للإعارة لإحدى جامعات الخليج، وتصادف أن أعلَنت جامعة صنعاء أيضاً.. حاجتها لأعضاء هيئة التدريس.

وكم كانت مفاجأة العميد بالغة، عندما طلب منه أحمد يوسف تغيير وجهة إعارته.. من الخليج إلى اليمن؛ فالخليج – في تلك الفترة الزمنية خصوصاً – كان حلمأ بالنسبة لكثيرٍ من المصريين. لكن اختياره اليمن، كان يسمح له بالدراسة الميدانية.. للبلد الذي كتب عنه رسالته للدكتوراه؛ وتحديداً حول الدور المصري في اليمن. ولعل اختياره أيضاً، كان يعود إلى أن بساطة الشعب اليمني.. هي أقرب ما تكون إلى طبيعته التلقائية السلسة. وفي اليمن السعيد، بنى أحمد يوسف شعبية جارفة، حتى مازحه أحد اليمنيين.. بالقول إنه لو ترشّح لرئاسة الجمهورية – في مواجهة علي عبدالله صالح – لفاز عليه. ولم تنقطع علاقته بالخريجين ولا بالمسؤولين اليمنيين.. بعد انتهاء إعارته، فهو من ذلك الطراز من الأشخاص، الذين يجيدون الاحتفاظ بالعلاقات الإنسانية.

وسوف يدهشك.. عزيزي القارئ، أن تعلم أنه – في الأعياد – يستخدم أچندة ورقية، تكاد تضم أسماء كل مَن مروا به في حياته.. مرتبين هجائياً، ليقوم بتهنئتهم فرداً فرداً. وأظن أنه – بالإضافة إلى طبيعته الفطرية – فإن هذه القدرة المذهلة على التواصل الدافئ والمستمر، هي جزء من أثر حي شبرا على أبنائه؛ فلا أكاد أعرف أحداً عاش في شبرا، إلا وترك الحيّ بصمته على روحه.. وعياً وانفتاحاً وتسامحاً.

ثم جاءت إعارة أحمد يوسف إلى معهد البحوث والدراسات العربية – التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) في عام 1993 – لمدة عشرين عاماً. وتجربته الفريدة في هذا المعهد.. جديرة بالتدريس للاستفادة منها؛ في كيفية إعادة بناء المؤسسات. وقد شاءت الظروف.. أن أكون شاهدةً بنفسي على جزء كبير من هذه التجربة، عندما أُعرت للمعهد في عام 2001. وهنا لن أتحدث عن تطوير العملية التعليمية.. في ظل إدارته؛ فخريجو المعهد – خلال هذه الفترة – هم خير سفراء للتجربة، وقد عادوا إلى بلدانهم.. وتولّوا أرفع المناصب. لكني سأتحدث عن مبدأ الحكمة في الإدارة. وأعني بذلك أن تكون قومياً عربياً، وفي ذات الوقت.. تفتح أبواب المؤسسة لكل القوميات التي يغتني بها الوطن العربي. وأن تكون في منطقة تشتعل بالنزاعات الطائفية، لكنك تنجح في الحفاظ على اتزان يديك الممسكة بالدّفة، وهذا حدث بعد احتلال العراق، وتكرّر بعد حرب لبنان في 2006.

وأن تكون في مؤسسة.. تموّل نفسها بنفسها بكل أريحية – بل وتسهم في تمويل الألكسو.. بمبلغ سنوي معتبر – وفي الوقت نفسه، تؤمن بأنه ينبغي ألا يُحرم طالب من التعليم.. بسبب المصروفات الدراسية. وأستطيع أن أؤكد.. أن طالباً واحداً لم يُمنع من الدراسة في عهده، بسبب المال. كما أعني بحكمة الإدارة، أن تحترم القواعد الأكاديمية.. دون أن تجعلها تكبلّك؛ كأن تسمح بمناقشة رسالة الدكتوراه التي أعدَها المناضل الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي.. مستفيداً في ذلك من روح القانون. وتفتح أبواب المعهد أمام الطلاب الأفارقة، لأنك تؤمن بأن العروبة يجب أن تكون جسراً للربط.. لا حائطاً للصدّ، وتتحوّل – رغم كل القيود.. إلى مركز تفكير للجامعة العربية، لأنك تملك كل مؤهلات الدور.

ثم إن السياسة جذبَت أحمد يوسف لممارستها.. منذ كان أحد طلاب دفعة 1969، التي نطلق عليها في الكلية اسم «الدفعة الذهبية»؛ ليس فقط لأن من خريجيها بعض أبرز أعلام الصحافة والإعلام والدبلوماسية، لكن لأنها دفعة شديدة الترابط؛ فلها رحلاتها الشتوية، ولقاءاتها الدورية، ومشروعاتها الخيرية، ولها وزيرة مالية. انخرط أحمد يوسف مع زميلته دكتورة عزة وهبي – التي صارت لاحقاً زوجته – في منظمة الشباب. وفي المنظمة، تعرّف على بعض كبار السياسيين.. الذين أسهموا لاحقاً في تشكيل الأحداث؛ من أمثال دكتور مفيد شهاب، ودكتور حسين كامل بهاء الدين، وأستاذ عبد الغفار شكر. وكما انتمى مؤسسياً للمنظمة، فإنه ارتبط فكرياً بعبدالناصر، وقام بتحقيق خطبه؛ حتى إذا لقى الزعيم ربه في سبتمبر 1970، عاد أحمد يوسف من لندن إلى القاهرة.. ليحضر جنازته ويودّعه. 

إنه ابن المرحلة.. المؤمن بمشروع الثورة؛ الذي اختصّه ببعض أهم ما كتب، ومنها دراسته التأسيسية.. عن المقارنة بين حركات التحرر الوطني في فلسطين وإفريقيا. أما المدهش، فهو أنه – بعد كل ما يعرفه عن هذه الحقبة – مازال يدوّن ملاحظات يعتبرها جديدة عليه. فقبل يوم واحد فقط – من فوزه بجائزة النيل – كان يحضر ندوة عن ثورة يوليو، وعلم من مداخلة دكتور علي الحفناوي (ابن الدكتور مصطفى الحفناوي، صاحب الدور التاريخي في تأميم قناة السويس).. أن عبدالناصر أعطى الأولوية لجلاء الاستعمار البريطاني، لئلا يتعثّر استرداد القناة، فقام بتسجيل المعلومة.

وأحمد يوسف يُعد من جيل الرواد الثاني.. في مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، وهو حالياً رئيس لجنته التنفيذية، وعضو مجلس أمنائه، ويوجد اسمه على أغلفة العديد من كتبه.. كتابةً وتحريراً.

إن دكتور أحمد يوسف أحمد.. هو رجل كثير العمل، قليل الصخب. إنه أهم مَن كتب عن الصراعات العربية، والوحدة العربية، والقضية الفلسطينية. يسهل على قارئ أعماله.. أن يعرف أنه كاتبها؛ فالخط الفكري متصل، والتحليل رصين، والأسلوب سهل ممتنع. 

ولذلك، فإن الذي يتابع وسائل التواصل.. على مدى الأيام الماضية، يدرك كيف كان الاحتفاء بفوزه بالجائزة.. عابراً للأجيال، وحدود البلدان، والاتجاهات السياسية.

ألف مبروك يا أستاذي.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة