تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

التنطع والشعب «الفنجري»

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

من العبث.. أن نتجاهل أننا نمر بظروف اقتصادية شديدة الصعوبة، تنعكس على الظروف المعيشية بصورة حادة. ومن المهم والمفيد أيضاً، أن يكون هناك من يتولون شرح أسباب تلك الظروف الصعبة للناس.. بشفافية، وإدارة حوار حول كيفية مواجهتها. ومن المهم، أن تدرك أنه لن يفيد – في هذا – الاستعانة بوجوه إعلامية مستهلكة، لا تتمتع بأي مصداقية لدى الناس. لن يفيد في شيء.. أمثال هؤلاء المتنطعين إلى حد السخف، الشبعانين إلى حد التخمة، الذين يطلبون من الناس أن يجوعوا.. من أجل «مستقبل أفضل». 

الجائع.. يا سادة، ليس لديه ترف التفكير في «مستقبل» أفضل أو أسوأ. وكما يقولون «إذا جاعت البطون تاهت العقول»؛ فتوفير طعام اليوم.. في ظل غلاء معيشة فادح ومتسارع، هو أولوية لا تعدلها أولوية. وإن تذكير الشعب المصري.. ربما لمعايرته، والاستشهاد بالتجربة الصينية.. في أكل «الهوام والحشرات والخفافيش»، لهو استخفاف مهين ومضلل، وانتهاك لوعي هذا الشعب «الفنجري»!! 

يا لوقاحة التشبيه – في يومنا هذا الذي بحت فيه الأصوات من كثرة الشكوى من العوز – وما أحوج هذه المنظومة البائسة.. لوجوه إعلامية جديدة.

إن المتاجرة بالشعارات القديمة المستهلكة، لم تعد مجدية في عصر سقوط الأيديولوجيات المغلقة؛ بكافة أشكالها، اليساري منها واليميني. ولطالما تاجر المتاجرون بتلك الشعارات، ظناً منهم بأن الجماهير يسهل خداعها. وواقع الأمر، أن الجماهير تبادل الخداع.. بخداع؛ فتُظهر الرضا إلى حين. والخداع لا يستمر طويلاً، وحينما يفيض الكيل، ينفجر الغضب ويمضي مقتلعاً في طريقه.. تلك الشعارات المخادعة، ويقتلع معها كل غث وثمين، بلا تفرقة. والتاريخ يشهد بذلك، ولكنهم لا يقرؤون. وإن قرأوا لا يفهمون، وإن فهموا لا يصدقون. ومن ينسى عبارة «مصر مش زي تونس».

اليوم وقد مضى قرن من الزمان.. على أول برلمان منتخب وفقاً لدستور 1923، ترى أين نحن من الحياة النيابية الفاعلة؟ إن البرلمانات ليست مجرد ديكور ديمقراطي، وعضوية البرلمان بغرفتيه.. يجب أن تكون معبرة عن اختيارات واستحقاقات انتخابية، وليس عن إنعامات سامية. وانظروا كيف زلزلت الحياة السياسية في أمريكا.. لمجرد تبين احتمال فقد الجمهوريين لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشجان، أمام مرشح ديمقراطي يساري.. هو الأخ «عبدول». وواضح أن نائباً واحداً يفرق كتير.. عندهم هناك. لأنهم يفصلون عند الاختيار بين التمثيل النيابي، والتمثيل الدرامي.

زلات اللسان بين «القاهرة» و«نيويورك»

الأخ «عبدول» – أو «عبد الرحمن السيد» – المرشح الديمقراطي على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، أظن أنه نسخة معدلة من «الإسلام السياسي المتأمرك»، وربما بنكهة إخوانية مدعومة بطعم «التقية». أقول أظن.. وليس كل الظن إثم. ومن السابق لأوانه، الانسياق وراء تصورات وتوهمات عنه، وعن مواقفه المتوقعة.. في حال نجاحه في الانتخابات القادمة. فكل يرسم له صورة، ويضع لها رتوشاً ولمسات.. تعبر عن تمنياته أو تخوفاته هو نفسه، لا عن واقع الأصل.

من المعروف أن الأخ «عبدول».. ينتمي للجناح «اليساري» للحزب الديمقراطي. ولا يخدعنك هذا الانتماء؛ فلطالما ابتذلت كلمة «يسار»، ولكم امتطى بعض «اليسارجية» هذه الكلمة.. بحثاً عن شعبية، أو شعبوية. ولكم شاهدنا – ومازلنا نشاهد – تحالفات «اليسارجية» مع «الإسلاموية».

المقصود بكلمة «يسارجية» في هذا المقام، هؤلاء الغوغائيون، الذين يمتهنون ويشوهون الأفكار والمقاصد اليسارية الكبرى النبيلة، وهم المبتزون الانتهازيون. ونفرق بين هؤلاء وبين كافة أطياف اليسار المتعددة؛ ما بين المراهق المثالي، والمتخشب، والمنفصل عن الواقع، والذين يعيشون بين صفحات «ماركس» و«بليخانوف» و«باكونين»، ويكاد يتمنى الواحد منهم.. أن يُكتب في بطاقته الشخصية، المهنة: «مناضل».

حينما يقول الأخ «عبدول».. «اليسارجي»؛ «لولا هجرة أهلي إلى ميشيغان، لكنت الآن سائق تاكسي في مصر.. مثل أولاد عمي». وفي قوله هذا.. روح طبقية كامنة، وتعالٍ ممقوت؛ ليس فقط على أهله وأولاد عمومته، بل على مهنة يجب أن تحترم.. ككافة المهن. والمسألة هنا ليست تصيداً لخطأ هنا أو هناك، بل هي مثال وتطبيق واقعي.. لزلات اللسان «الفرويدية»، المبينة عن ميول تمييزية.. في أعماق النفس.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فمن المصادفة أنني كنت أشاهد – على وسائل التواصل الاجتماعي – مقطعاً لفيديو.. يتحدث فيه أستاذ جامعي ورجل أعمال، بمناسبة صدور كتاب عن مسيرة حياته، يقول فيه، أنه لولا «جمال عبد الناصر»، لكان مصيره أن يكون «سائق تاكسي»! 

انظر التناقض الفادح، في هذا القول الفاحش سياسياً.. لهذا الملياردير «الناصري»! وغني عن القول، أن «سائقاً» شريفاً يجيد مهنته، لهو أفيد للمجتمع وأكثر احتراماً، ممن لا يجيدون مهنهم، من الهباشين والدجالين.. أيّاً كانت مواقعهم ووظائفهم ورتبهم. لكن يبدو أن المسألة ليست كذلك.. عند أصحاب الفكر الطبقي من «اليسارجية» و«الناصرجية»، ومن على شاكلتهم.. أيّاً كانت انتماءاتهم؛ السياسية وغير السياسية.

وبمناسبة الحديث عن «السواقين»، فهناك بعض من المشاهير، التي تبين سيرهم الذاتية، عن أنهم عملوا في مستهل حياتهم كسائقين، ومنهم من انتقل من مقعد قيادة أوتوبيس.. إلى مقعد قيادة دولة؛ مثل «مادورو».. رئيس جمهورية «فنزويلا» السابق. ومنهم جلس على عرش «الروك».. «إلفيس بريسلي». ومنهم سائق التريلا السابق.. السيناريست المخرج «جيمس كاميرون»؛ صاحب الفيلم الأشهر «تيتانك». وكذا الأسطورة «شين كونري».. أشهر جيمس بوند. و«تشارلز برانسون»، وغيرهم ممن شرفوا بعملهم السابق كسائقين.

وصدق من قال:

لا تطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت

لأن الشح فيها باقٍ

بل اطلب الخير من بطون شبعت ثم جاعت

لأن الخير فيها باقٍ.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة