د. أحمد يوسف أحمد
التهافت لغةً.. هو الازدحام والتسابق على شيء، أو التساقط والانهيار، أو التناقض والضعف، ويأخذ المقال بالمعنيين الأخيرين، ولعل أشهر ما ارتبطت به هذه الكلمة.. هو «معركة التهافتين» أو السجال بين الفلسفة والدين، بين الإمام أبوحامد الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة» ورد ابن رشد عليه بعد نحو قرن من الزمان في كتابه «تهافت التهافت».
أما الردع، فمعلوم أنه تهديد الخصم بإلحاق ضرر جسيم به، إذا لم يمتنع عن الإقدام على سلوك من شأنه إلحاق ضرر جسيم بمصالح المُهدِّد (بكسر الدال الأولى وتشديدها)، أو إذا لم يتوقف عن الاستمرار في سلوك يضر بهذه المصالح. ويكون الهدف من سلوك الردع.. هو تجنب الاستخدام الفعلي للقوة، لأنه الأكثر تكلفة. ذلك أن النجاح في ردع الخصم، يعني أن القائم بالتهديد قد حقق هدفه.. دون تكلفة سوى إطلاقه، وتكون فرصة سلوك الردع في النجاح أكبر، كلما استند إلى قوة أكبر؛ لأن قوة الطرف المُطْلِق للتهديد.. تجعل تهديده أكثر صدقية.
وهو يلجأ أحيانا..ً إلى تصرفات معززة لصدقية التهديد؛ كأن يقوم بمناورات عسكرية على الحدود مع الخصم، أو بانتهاكات محسوبة لمجاله الجوي أو مياهه الإقليمية. فإذا فشل سلوك الردع في إحداث التغير المطلوب.. في سلوك الخصم، اضطُر القائم بالتهديد للاستخدام الفعلي للقوة، وقد يعود للتهديد أثناء العمليات العسكرية.. بمزيد من التصعيد، لعل ذلك يُفضي لتنازلات من الخصم، وذلك عندما يستشعر وطأة تكلفة العمليات العسكرية. ويتوقف نجاحه على ميزان القوى بين القائم بالتهديد والمُستهدف به، وعلى تماسكه الداخلي ومدى استعداده للصمود، ويهتم المقال بتطبيق الأبعاد النظرية.. السابقة على المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. من جانب، وإيران.. من جانب آخر.
ويُلاحظ أن مفهوم الردع.. لم يُستَخْدَم في بداية المواجهة الحالية؛ بجولتيها في يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، ومنذ نهاية فبراير الماضي وحتى الآن. وإنما حل «الخداع التكتيكي» محله. ففي الحالتين، كانت إدارة ترامب منخرطة في مفاوضات مع إيران.. بشأن الملفات الخلافية بينهما. وفي ذروة المؤشرات على تقدُّم المفاوضات، قامت إسرائيل بهجومها الأول في يونيو 2025، ثم قامت – بالاشتراك مع الولايات المتحدة – بالهجوم الثاني الأقوى والأشمل.. منذ 28 فبراير الماضي. بل إن الخداع في الحالة الأولى، تعزَّز بتحذيرات من ترامب لنتنياهو.. بعدم مهاجمة إيران، طالما أن هناك مفاوضات. لكن الأخير فعلها – بالتواطؤ معه – بدليل أنه شارك في المرحلة الأخيرة من الهجوم.
ويرجع عدم اللجوء إلى سلوك الردع – منذ البداية – في الأغلب.. إلى نجاح نتنياهو في إقناع ترامب بأن ضربتهما سوف تعصف سريعاً بالنظام الإيراني، وبالتالي يختفي مصدر التهديد. ولا شك في أن نتنياهو عزَّز هذا السيناريو.. بالتحديات الداخلية التي واجهها النظام الإيراني، التي وُصِفت بأنها الأخطر في تاريخه. غير أن إيران صمدت، وأوجعت – بردودها – كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل، ونجحت في استخدام سلاحها الجيوسياسي.. المتعلق بمضيق هرمز؛ الذي مكَّنها – من خلال عمليات التحكم في المرور عبره – من أن تحدث صدمة في أسواق الطاقة العالمية.. بكل تداعياتها؛ بما في ذلك في الداخل الأمريكي، والتي كان من شأنها.. زيادة الضغوط على ترامب. وبالذات، كلما اقتربنا من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي تهدد بتحويل ترامب – حال خسارته لها – إلى «بطة كسيحة»، وليس مجرَّد «بطة عرجاء».
ومن هنا، بدأ ترامب في اللجوء لسلوك الردع، بمعنى أن يوقف القتال.. بهدف التفاوض على اتفاق، ثم يأخذ في إطلاق تهديدات شديدة القوة – كما فعل في 7 أبريل الماضي – حين صرح بأن «حضارة بأكملها ستندثر الليلة، ولن تعود للحياة مجدداً أبداً»، وهو فهم سقيم وساذج للحضارة. وقد يُقال إن هذا السلوك الرادع قد نجح، فقد تم التوصل لمذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية في منتصف يونيو الماضي. لكن العكس هو الصحيح، إذ إنه باستثناء ترامب ورجاله.. يكاد يكون هناك اتفاق على أن ميزان المكاسب في هذه المذكرة، كان مائلاً بوضوح لصالح إيران.
واستمر ترامب في اتباع أسلوب التهديدات بالغة الشدة.. بضرب إيران، والتراجع عنها.. بدعوى أن أطرافاً قد طلبت ذلك؛ سواء كان هؤلاء الأطراف من الوسطاء، أم من دول مجلس التعاون الخليجي. والطريف، أنه في التراجع الأخير – منذ أيام – أضاف إيران لقائمة من ناشدوه العدول عن ضربته، التي كان قد وصفها بأن العالم لم يشهد مثلها.. منذ الحرب العالمية الثانية. ولم نعرف لماذا يستجيب لخصمه، وبأي ثمن. وهو ما يطرح قضية تصريحات ترامب عن إيران.. البعيدة كل البعد عن الحقيقة، ففي 21 مارس 2026، صرح بأن الولايات المتحدة قامت بـ«محو إيران من الخريطة»، وكثيراً ما تحدَّث عن أن الولايات بالفعل غيرت النظام في إيران، وأن قوتها الجوية دُمرت، وأسطولها البحري يقبع في باطن الماء، وأنه يتفاوض مع الإيرانيين، وأنهم يتوسلون اتفاقاً منه.. بينما تسير الأمور في اتجاه آخر تماماً.
وفي واحد من أحدث رسوم الكاريكاتير الأمريكية، يجلس ترامب على سرير الطبيب النفسي، ويقول.. إنه «يتفاوض مع الإيرانيين». فيسأله الطبيب: «هل من تفاوضهم موجودون معنا الآن في الغرفة؟»!!!
وقد بلغ عدد مرات تراجع ترامب.. عن تهديده بضرب إيران، على نحو «لا تقوم لها قائمة بعده أبداً».. من 7-10 مرات. وتنوعت حججه للتراجع.. ما بين طلب حلفاء إقليميين، أو إتاحة الفرصة للتفاوض، أو أن تقدماً قد حدث في العملية التفاوضية.
والخلاصة، أن سلوك الردع الأمريكي لإيران.. فاشل حتى الآن. وفرصته الوحيدة في النجاح، هي توجيه ضربته القوية.. التي من الواضح أنه يخشى تداعياتها، وبالذات لو فشلت في تركيع إيران. ولا يبدو أن ثمة مخرجاً من الأزمة حتى الآن، إلا بتغيير يدخله ترامب على سياسته، أو بتحولات داخلية في إيران.. تؤثر على صمودها. والله أعلم.
نقلاً عن «الأهرام»