الدكتور وليد الحداد
كان صياد مكسيكي بسيط.. يرسو بقاربه على شاطيء قريته، وفي يده بضع سمكات.. كافية لسد حاجة بيته. وقف بجانبه رجل أعمال أمريكي.. يحمل شهادة من هارفارد، فسأله: «لماذا لا تصطاد أكثر؟» فأجاب الصياد: «هذا يكفيني… أنام قليلاً، وأصطاد، وألعب مع أطفالي، وأتمشى مساءً مع أصدقائي». ابتسم رجل الأعمال وقال: «لو اصطدت أكثر، واشتريت قارباً.. ثم أسطولاً، وبنيت مصنعاً، وانتقلت إلى المدينة، ثم إلى نيويورك… خلال عشرين عاماً ستطرح شركتك في البورصة، وتصبح مليونيراً». سأله الصياد: «وماذا بعد؟» فقال: «حينها تتقاعد، وتعود إلى قرية صغيرة، تصطاد قليلاً، وتلعب مع أطفالك، وتتمشى مساءً مع أصدقائك». رفع الصياد عينيه: «أوليس هذا ما أفعله الآن»؟
هذه الحكاية – المنسوبة إلى الكاتب الألماني هاينريش بول – ليست نكتة عابرة، بل مرآة مصغّرة.. لآلة ضخمة تصنع الحاجات الوهمية، وتبيع للبشر وعداً بسعادة مؤجلة، ثمنها حاضرهم كله.
هذا هو نفس الفخ.. الذي يُنصب اليوم لملايين الشباب في بلادنا، الذين يُغرَون بـ «الهجرة» نحو «الجنة الرأسمالية». على الشاشات، تُعرض عليهم صورة برّاقة: حرية، عدالة، فرص لا تنضب، كرامة مصونة، أرض لا يسقط من أشجارها إلا الذهب. تُخفى العيوب، وتُضخَّم الأحلام، حتى يبدأ الشاب في كُره وطنه.. ورؤيته بعين سوداء، بينما يرى ذلك «الغرب» البعيد بعين وردية. وهكذا يتحول الحلم الذي باعه رجل الأعمال للصياد.. إلى رحلة عبور بحار وحدود وصحاري.
لكن ماذا يحدث فعلاً.. حين يصل الشاب إلى «الجنة» الموعودة؟ يصطدم بجدار من واقع قاسٍ. يُجبَر على أعمال مهينة.. لم يكن ليقبلها في بلده؛ ساعات طويلة، أجور زهيدة، كرامة مسحوقة. يعامله النظام – في أفضل الأحوال – كعامل رخيص، يُستنزف حتى آخر قطرة عرق، ثم يُرمى.. حين يشيخ أو يضعف. وفي أسوأ الأحوال، يعيش كعبد.. يحكمه خوف الترحيل، وذل الحاجة. لا وقت له ليلعب مع أطفاله، ولا ليجلس مع زوجته، ولا ليتمشى مساء مع أصدقائه. يستيقظ قبل الفجر، ويعود بعد الغروب، منهكاً، منسياً، مُستهلكاً.. حتى آخر نفس. تلك «الجنة».. لم تكن سوى سوق يُباع فيه العمال كبضاعة رخيصة، حتى تنتهي صلاحيتهم.
والأرقام لا تكذب: في أحدث بيانات وزارة الإسكان الأمريكية، هناك نحو 746 ألف إنسان.. ينامون في الشوارع بلا مأوى. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يتصدر الأمريكيون العالم.. في استهلاك الكوكايين والحشيش. يموت نحو 70 ألف أمريكي سنوياً.. بجرعات مخدرات زائدة، ونحو 178 ألفاً آخرين.. بسبب إدمان الكحول، وسط ما يقارب 50 مليون مدمن. فكيف تكون «جنة».. ومئات الآلاف من أبنائها بلا سقف يؤويهم؟ وكيف تكون «جنة».. وملايين منهم أسرى إدمان يفتك بهم؟
خلف هذا الوهم، تعمل آلة ضخمة لغسل العقول؛ إعلامٌ يصنع صوراً وردية، يُظهر لك ناطحات السحاب، ويُخفي عنك المشردين نائمين على الأرصفة. يُظهر لك «النجاح»، ويُخفي عنك العنصرية والفقر والفضائح. ووسائل التواصل الاجتماعي.. تُغذيك بخوارزميات تعرف رغباتك، تُريك مؤثرين يعيشون في قصور دبي ولندن، وتُخفي عنك مئات الآلاف.. ممن ينامون في أقبية المطاعم. تُصغّر إنجازات وطنك، وتُضخّم عيوبه.. حتى يصبح بلدك «جحيماً» لا يُطاق، بينما يصير ذلك البلد البعيد.. «جنة» لا تُضاهى. هذا ليس تواصلاً، إنه تنويم جماعي.. يُعيد برمجة عقول الشباب، ليصبحوا مهاجرين أذلاء، عبيداً طائعين.. لحلم لن يتحقق أبداً.
قبل أكثر من ستة قرون، كتب ابن خلدون – في مقدمته – أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وأن الاعتداء على أموال الناس وكرامتهم.. يقتل آمالهم، فتنقبض أيديهم عن العمل، ويتفرقون في الآفاق هرباً. وقال: «لا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل».
هذه الكلمات – رغم قدمها – تصف بدقة ما يحدث اليوم: حين تُهدر الأوطان كرامة أبنائها، تدفعهم – بيدها – إلى أحضان ذلك الوهم البعيد.
فلا الأنظمة الرأسمالية.. بريئة من صناعة الخداع، ولا أوطاننا.. بريئة من التقصير. فأي حكومة تريد أن تحفظ أبناءها، عليها أن توفر لهم التعليم والصحة، والعمل الكريم والعدالة والكرامة. وإن فشلت، فهي شريكة في دفعهم نحو الهاوية. فالشاب الذي لا يجد عملاً، ولا دواء لأمه، ولا سقفاً يؤويه، كيف لا يُصغي لنداء ذلك السراب؟
الصياد المكسيكي لم يكن جاهلاً، بل كان أكثر حكمة من صاحب الشهادات. كان يملك ما فقده الملايين اليوم؛ وقته، وراحة باله، وثقته بنفسه، وأمله في وطنه.
فلا تشترِ الحلم من بائع الأوهام، ولا تصدق كل ما يُعرض على الشاشة، واسع لنيل حقك في أرضك، قبل أن تبيع روحك لأرض.. لا تعرفك ولا تحترمك. السعادة ليست في مكان، بل في العدل والكرامة. وعلى الأوطان أن تدرك أن.. من يهدر عدل أبنائه، يخسرهم إلى الأبد.
*وكيل وزارة التعاون الدولي.