عبدالله عبدالسلام
«تستحق الكاتبة جي. آر. رولينغ – مؤلفة سلسلة روايات هاري بوتر الشهيرة – مكانة تُضاهي الأسرة المالكة.. عندما يتعلق الأمر بنشر صورة ملهمة عن بريطانيا في العالم. بل ربما ينبغي أن تتصدر رولينغ قائمة عناصر القوة الناعمة البريطانية.. من ناحية تعريف شعوب العالم – خاصة الأطفال – ببريطانيا». هكذا كتبت المؤلفة ياسيندا جراهام قبل أيام.. في صحيفة «التليجراف». كثير من القراء العرب يعتبرون رولينغ.. مجرد كاتبة روايات خيالية للأطفال. لكنهم لا يدركون المدى الذي أثرت فيه إيجابياً على صورة بريطانيا في الخارج. ملايين الأطفال – عبر العالم – وقعوا في حب بريطانيا. ورغم أن ظروف البلاد الحالية لا تسُر، إلا أن العالم السحري.. الذي رسمته الروائية في أعمالها، جعل عشرات الملايين يزورونها أو يتمنون زيارتها.
لم أمنع نفسي – وأنا أقرأ المقال – من التفكير في تعاملنا مع أم كلثوم وتاريخها.
بكل تأكيد، «كلٌّ يؤخذ منه ويُرد عليه.. إلا صاحب هذا الضريح» (أي النبي عليه الصلاة والسلام). وهي المقولة المنسوبة للإمام مالك بن أنس. لكن ذلك لا يعني التجرؤ على إلصاق اتهامات وافتراءات على الرموز، ونشر قصص وهمية عن حياتهم الشخصية.
… المفارقة، أن ذلك يحدث دون وثائق تاريخية أو أدلة. مجرد أقوال مرسلة غير منسوبة، في غالب الأحيان، لأحد.
للأسف، فإن ما يقوله ويكتبه البعض.. يفتقد للمصداقية والعقلانية والعمق. كلام يدخل في باب «النميمة»، مغلَّف بالسطحية وضيق الأفق. ومع ذلك، فإن المسألة أبعد من كونها محاولة فردية لأحد الصحفيين.. تستهدف تصفية حسابات سياسية مع مرحلة تاريخية محددة، من خلال التركيز على تشويه رمز كبير.. هو أم كلثوم.
منذ سنوات، هناك محاولات «دؤوبة».. لضرب مركز الثقل في الريادة الفنية والثقافية المصرية؛ المتمثل في «كوكب الشرق».
… فكرة تحطيم الأيقونات، تسيطر على تفكير بعض الجهات بالمنطقة العربية.. من خلال إزاحة المركز المصري، وخلق هويات إقليمية جديدة.. لا تدين بالولاء الثقافي والفني لمصر. ستجد ذلك مجسداً في أفلام تخترع سرديات غريبة عن أم كلثوم وحياتها، ومهرجانات.. يبدو فيها الإسهام المصري ضئيلاً، وربما غير محسوس.
«الست».. هي الرمز الأكبر للريادة الثقافية والفنية المصرية. اجتمع حولها العرب.. وما زالوا، كما لم يحدث لفنان آخر. تهافت الشعراء عليها، من أجل نيل شرف أن تُغني قصائدهم. كانت نموذجاً حضارياً للمرأة المصرية والعربية.. الشامخة والمؤثرة. هي بلا جدال.. شخصية القرن العشرين الفنية.
وبينما تؤكد الوقائع أن أم كلثوم كانت شديدة التدين.. نتيجة تربيتها الريفية الصارمة، إلا أن هناك من يريد تشويهها.. باتهامات جزافية، لا تصمد للنقاش والمنطق. خبراء علم النفس والاجتماع يسمون ذلك.. «شهوة تحطيم العظماء»؛ حيث يعاني أصحابها عقدة النقص تجاه الرموز.
في عام 1964، أقرت المحكمة العليا الأمريكية مبدأ «التعمد الخبيث».. لحماية الشخصيات العامة من التشهير. ووافقت على قانون.. يعاقب أي منظمة – أو فرد – ينشر معلومات كاذبة عن رموز المجتمع؛ إذا ثبُت أنه فعل ذلك، وهو يعلم أنها كاذبة، أو أظهر استهتاراً طائشاً.. في البحث عن الحقيقة.
من يشوهون تاريخ أم كلثوم، ينبغي عقابهم بقانون مماثل.
نقلاً عن «المصري اليوم»