عمار علي حسن
نظر إلى الفلَّاحة الفقيرة المريضة، وأشرق وجهه بابتسامة عريضة، فاطمأنت إليه. راح يسألها في أدق التفاصيل، حتى استغرق اللقاء أكثر من نصف ساعة، ثم طمأنها بأنها ليست في حاجة إلى جراحة، كما قال لها غيره، إنما دواء فقط، وبعدها ستصبح على ما يرام، وهو ما كان. أربعون دقيقة يقضيها مع مريض واحد أحياناً، يسمع منه بإمعان كل شيء، دون أن تفارق الابتسامة وجهه. يجمع معلومات كافية عن تاريخ المرض وحاله وأعراضه، قبل أن ينهض لفحص الجسد. حين رأيت هذا مرة، قلت له ضاحكاً: أنت واحد من قلة أطباء.. تصلح عليهم الآن صفة «الحكيم» كما كان يقال قديماً.
هز رأسه قائلاً: الموارد البشرية للطب في مصر لا تزال بخير، المشكلة في المنظومة الصحية، والمأساة في تراجع قدرة الناس على العلاج.
ظل هو يساهم – على قدر طاقته – في تخفيف العبء، فكان كلما حضر إلى عيادته (في شارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين) وجد في انتظاره – مع مرضاه من الطبقة الوسطى والعليا – بعض الفقراء الذين يوقع عليهم الكشف مجاناً، ويحرص على أن يأخذوا أدوارهم.. حسب أسبقية الحضور.. مثل من دفعوا. هذا الرجل النبيل، والطبيب العظيم، استيقظنا يوم الجمعة 26 يونيو 2026 على نبأ وفاته. خسرنا جميعاً د. عمرو حلمي؛ الطبيب المثقف والسياسي المعارض، ووزير الصحة الأسبق، ومدير مستشفى مصطفى محمود وأحد مؤسسيها الكبار، وأستاذ الطب.. الذي يشهد له تلاميذه بالقدرة والرصانة والحدب والأبوة، التي تعانق فيها المحبة الجدية.
طالما كنت وغيري نراه.. الطيبة والنبل والسكينة، التي كانت تسري بيننا في وداعة وهدوء، متجسدة في إنسان، لم يخلص لدوره كطبيب فقط، إنما أيضاً كان محباً للمعرفة، يقرأ في ضروبها ودروبها. وفي ركاب هذا، حرص على عقد صالون شهري في عيادته، لمناقشة قضية أو ظاهرة أو مسألة ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو نفسية، وكان النقاش خلالها يجري دوماً في حرية تامة، وهو لم يجزع لهذا أبداً، إذ كان رجلاً جسوراً، على لين عريكته، واثقاً من نفسه، ومن محبته لبلده، التي طالما تمنى أن تكون في رفعة وكفاية وعدل ومنعة.
شاركت في هذا الصالون غير مرة، متحدثاً عن قضية أو رواية أو كتاب صدر حديثاً لي، وطالما كنت أراه قد سعى إلى شرائه، وقرأه قبل يوم المناقشة، فإن تدخل بما حباه الله من عقل منظم، ونفس سوية، يضيف دوماً إلى ما قرأه، ويطرح ما يفيد. أخجلني غير مرة.. حين كنت أهاتفه محدداً موعداً لفحص أحد من أهلي، فأصل لأجده قد أوصى مدير عيادته بإعفائي من ثمن الكشف. كنت أصر على هذا، فيقول لي الرجل: سيغضب مني د. عمرو. وحرصت على أن أعوضه عن هذا.. بإهدائه بعض كتبي، سابقاً إقدامه على شراء بعضها، فكان يتقبل هذا في هدوء، ثم يقول: من الواجب علي أن أشتريها، فأنا أعرف مشقة الكتابة، وقلة عائدها.
قبل وفاته بشهور، هاتفني وطلب مني أن أنظر في مادة قد كتبها لسلسلة تسمى «ما»، تصدرها الهيئة العامة للكتاب.. للتعريف بالمعارف والعلوم الأساسية. كان مكلفاً بكتابة نص قصير مركز.. تحت عنوان «ما الطب؟». فلما انتهى منه ودفعه إلى من طلبه، فوجئ به يطلب منه حذف الجزء الذي أورده في بداية الكتاب.. عن تجربته مع الطب، لكنه كان يعتز بها، ويرى فيها إفادة لدارس الطب والقارئ العام معاً، فطلب ممن رفض أن يكلف آخر بالكتابة. طالعت النص فوجدته يفيض بالمعرفة العلمية الدقيقة، والتجربة العميقة التي تستحق أن تروى، فقلت له: اعتبره نواة لسيرة ذاتية، أو كتاب عام في الطب، يجمع بين الخبرة الشخصية والمعرفة العلمية. شجعته على أن يمضي في طريقه فيكمل كتابه، ليخرج إلى الناس كما أراده هو، وليس كما حدد غيره. وعدني بأن يخصص لهذا بعض وقته، وكنت أعرف كم يكون هذا صعباً.. على رجل مشغول بين العيادة والمستشفى، لا يتردد ولا يتأخر إذا دعي إلى جراحة ولو في آخر الليل.
قبل وفاته بيومين فقط، قابلته في الصالون الشهري للمهندس أحمد حسين وزوجته د. وفاء بيومي، فذكَّرته بالكتاب، فقال لي: أواصل كتابته على قدر الاستطاعة. لم أكن أعرف وقتها أنه قد جاء ليودعنا، ولم أدرك – طوال ثلاث ساعات تقريباً – سر النظرة الساهمة الشاملة.. التي كان يلقيها على الوجوه والأشياء، وهو جالس إلى جانبي.. ملتحفاً بالصمت كعادته، لا يتحدث إلا إذا وجد لهذا ضرورة.
أعرف أن الموت حق، وقدر قادم لا محالة، وأؤمن أن لكل أجل كتاباً، لكن حين وقعت عيني فجر الجمعة.. على نعي رفاقه وأصدقائه على «فيسبوك»، لم أصدق، أنكرت هذا وهو ما لا يُنكر، وأبغضته وهو ما أردد له العبارة التي كانت تقولها أمي دوماً «اللهم طيبنا له». أغلقت الهاتف، وقلت: لا بد أنها إغماءة، وسأستيقظ صبحاً لأجده حياً، وأهاتفه، وأطلب منه أن يحكي لي تجربته.. مع الوقوف على حافة الموت. مارست – للمرة الأولى في حياتي – تجربة الهروب من الحقيقة، لكنها طاردتني كظلي.. حين استيقظت، لأجد الخبر مؤكداً. نعيته، وجلست أستعيد كل ما مررت به معه.. في العيادة والصالون الثقافي وساحة السياسة المضطربة، التي لم أجدها قد هزته في أي يوم، خوفاً أو قلقاً أو تنصلاً من المهمة.
كانت مهمة عمرو حلمي – بين السياسيين حوله – هي تذكير الجميع بما ينبغي أن يكون، بالواجب الذي لا تتم الأشياء إلا بأدائه، بالصوت الهادئ في قوة.. الذي تندفع حروفه في اتجاه كل ما يعود على البلاد والعباد. زاوج حلمي في رؤيته السياسية بين العدل الاجتماعي والحرية، وكان مؤمناً إلى أقصى حد بأن مصر العريقة.. بوسعها أن تنهض من جديد، وأن ما لديها يرزقها الكفاية.. عند من يحسن إدارة مواردها، ويظل قابضاً على ما آمن به حتى الرمق الأخير.
نقلاً عن «المصري اليوم»