Times of Egypt

دلالات الاتفاق الأمريكي-الإيراني: «2» الخطر الإسرائيلي

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

ليس المقصود بالخطر الإسرائيلي هنا.. الخطر الذي تمثله إسرائيل على فلسطين وجوارها العربي، بعد أن أعلن نتنياهو تماهيه مع فكرة إسرائيل الكبرى. بل ولا الخطر على دول المنطقة.. بعد أن راجت التحليلات الإسرائيلية – المنسوبة لدوائر أكاديمية وسياسية وازنة – عن صراعات حتمية قادمة؛ بين إسرائيل ودول مثل تركيا ومصر، على النحو الذي يثبت أن هذا الكيان التوسعي.. يرتبط عضوياً بـ «فكرة الحرب الدائمة مع الجميع».. كاستراتيجية؛ تتوهم إسرائيل أنها سبيلها الوحيد للبقاء، بينما يعلم كل من يفهم منطق التاريخ.. أنها طريقها إلى نهايتها المحتومة. 

وإنما المقصود بخطر إسرائيل في هذا المقال هو «خطرها على الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير».. الذي لم يأت مخيباً لآمالها في كسر شوكة إيران بالتعاون مع القوة الأمريكية الغاشمة فحسب، وإنما سبَّب انزعاجاً هائلاً لإسرائيل.. بسبب دلالاته الخاصة بمستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية؛ التي تمثل شريان البقاء الرئيسي لإسرائيل. ومعروف أن نموذج العلاقة راسخ منذ نشأتها، ويشير إلى تحالف عضوي ودعم شامل بلا حدود. ويكاد اعتراض الرئيس أيزنهاور الحاسم.. على رفضها الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في عدوان 1956، أن يكون هو السابقة الوحيدة لتناقض إسرائيلي-أمريكي حقيقي.. في مسألة تمس أمنها على نحو مباشر، وبعد ذلك سُوِّيت كل الخلافات الإسرائيلية-الأمريكية، بطريقة تنطوي على تراجع أمريكي. 

ولهذا فإن الخلاف الأمريكي-الإسرائيلي – الذي ترتب على الاتفاق مع إيران – يجب أن يحظى بكل الاهتمام؛ لمعرفة طبيعته ودرجته واستدامته، باعتبار أن تداعياته إن استمر.. وتفاقم سوف تكون فائقة الأهمية على مستقبل إسرائيل والمنطقة. والمفارقة، أن هذا الخلاف قد جاء عقب ذروة التلاحم بين البلدين، وهو تلاحم أعطى له ترامب – في ولايته الأولى – نكهة خاصة.. باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبشرعية الاستيطان وضم الجولان المحتل، ثم بلغ التلاحم ذروته منذ 2025، حين شاركت الولايات المتحدة في العدوان الإسرائيلي على إيران.. بضرب مفاعل فوردو الحصين، وتجاوز هذه الذروة.. بأول عملية عسكرية أمريكية-إسرائيلية مشتركة، بالهجوم على إيران منذ نهاية فبراير الماضي. لكن المفارقة.. أن إيران صمدت، ووجهت ضربات موجعة للمعتدين. 

واللافت، أن أخطر هذه الضربات، وأكثرها تأثيراً.. لم يكن عسكرياً؛ وإنما كان استخدامها لسلاحها «الجيوسياسي».. المتمثل في مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى تداعيات اقتصادية خطيرة؛ أهمها في مجال الطاقة.. طالت العالم بأسره – بما في ذلك الولايات المتحدة – ومن هنا بدأ التحول. ذلك أن التطورات السابقة، دفعت الرئيس الأمريكي لخيار وقف إطلاق النار.. عكس الرغبة الإسرائيلية، التي كانت تريد المضي في الحرب حتى تحقق أهدافها؛ وأهمها القضاء على النظام الحاكم في إيران، وقدراتها النووية. بل إن ترامب استبعد إسرائيل من المفاوضات اللاحقة.. لوقف إطلاق النار؛ ليس فقط لأن إيران لن تقبل التفاوض معها، ولكن لخلافٍ تطورَ بين الأهداف الأمريكية ونظيرتها الإسرائيلية، خاصة على ضوء ما ذكرته تقارير عديدة.. من أن ترامب كان مستاءً من توريط نتنياهو له في الحرب؛ بدعوى أن النظام الإيراني سيسقط من أول ضربة. 

والأكثر من استبعادها المادي، أنه من الواضح.. أن ترامب لم يكن يستشيرها في أمور مفصلية، بدليل أن الاتفاق خيب آمالها بوضوح، فقد تبنى النهج الإيراني بخصوص مرحلية المفاوضات، وامتلأت المذكرة.. ببنود لا علاقة لها بما سماه ترامب بـ «النصر الحاسم» على إيران؛ كما في حديث فك تجميد الأموال الإيرانية، ورفع العقوبات عنها، وإنشاء صندوق لإعادة إعمارها. بالإضافة لإغفال الحديث.. عن برنامج الصواريخ، والمجموعات المرتبطة بإيران، والأخطر الاستجابة للطلب الإيراني بالربط بين الملفين الإيراني واللبناني. وليس على من يريد تحديد درجة الصدمة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي سوى أن يُلْقي بنظرة على عينة ممثلة للصحافة الإسرائيلية.. ليجد أن أكثر الأوصاف شيوعاً للاتفاق هو وصفه بـ «الكارثة الاستراتيجية»، ومن هنا فإن التحرك الإسرائيلي ضد الاتفاق.. يُعَد مسألة بديهية، ويصبح السؤال هو: كيف؟ في ظل أن إسرائيل لا تملك رفاهية.. المبادرة بالصدام مع رب نعمتها الأول.

تظهر خبرة إدارة إسرائيل لأزماتها مع إدارات أمريكية سابقة، وصولاً لإدارة ترامب.. أنها اتبعت تنويعة من الآليات، التي تمكنت من خلالها من تحقيق أهدافها في هذا الصدد – في كثير من الأحيان – وأول هذه الآليات هو اللوبي الصهيوني.. مُفْرط القوة في الداخل الأمريكي، مع ملاحظة أنه بات يواجه تحدياتٍ حقيقية، ليس بمقدورنا الآن تقدير تأثيرها الدقيق، وإن كان واضحاً أن الأمور تتغير، ويتبنى هذا اللوبي – حين الحاجة – عمليات تشهير بخصوم إسرائيل وابتزاز لهم، ويربط بعض التقارير مثلاً بين فتح «ملفات إيبستين»، والتلميح بتورط ترامب فيها.. وبين الموقف الحالي. كما لجأت إسرائيل أحياناً للمواجهة المباشرة؛ عندما تحدى نتنياهو أوباما.. في مسعاه لعقد اتفاق نووي مع إيران، بتخطيه، وإلقاء خطاب ضد الاتفاق في الكونجرس الأمريكي (مارس 2015). 

وصحيح أنه خسر هذه الجولة، لكنه لعب لاحقاً.. دوراً كبيراً في انسحاب ترامب من الاتفاق في مايو 2018. ومن قديم، أن كتابات وتقارير عديدة.. ذهبت إلى ضلوع إسرائيل في اغتيال جون كينيدي عام 1963،  بسبب إصراره على التفتيش على مفاعل ديمونة، وكذلك امتلأت منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، ومواقع اليمين المتطرف فيها.. بالتلميحات إلى تورط الموساد في اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك – المؤيد البارز لترامب في سبتمبر 2025 – بسبب تحول موقفه من إسرائيل. أما الآلية الفعالة حقاً، التي أثبتت إسرائيل براعتها في استخدامها.. فهي الكيفية التي تطبق بها القرارات التي لا تأتي على هواها؛ ففي كل من اتفاق وقف إطلاق النار.. في لبنان (نوفمبر 2024)، وغزة (أكتوبر 2025).. تصرفت إسرائيل باعتبار أن وقف إطلاق النار يخص خصومها، ولا علاقة لها به، ومن هنا استمرت إسرائيل في عمليات القتل والتدمير الممنهج للبشر والحجر، والخلاصة أن ثمة خطراً جسيماً على الاتفاق.. من إسرائيل، على كل من يهمه الأمر.. أن يتحسب له.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة