Times of Egypt

الاشتراكي «الملحد» و«العقاد»

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

«إن أكثر الناس حتى اليوم ..لا يفهمون معنى الاشتراكية، ويظنون أنها ترمي إلى اقتسام المال.. بطرق غير مشروعة. وليس من العدل.. أن يشارك الخامل العامل، في ماله». (شبلي شميل)

إزاء المغالاة في القيمة الإيجارية للمساكن، وارتفاع أصوات الناس بالشكوى والاحتجاج، كتب «شبلي شميل» مقالاً – في صحيفة «المؤيد» (1908) – تحت عنوان «شكوى المستأجرين، ومبدأ العرض والطلب». نعرض لأهم ما ورد فيه.

انتقد «شميل» الصحفيين.. «الذين يعرفون جيداً وجه الحق، ولكنهم يصمتون». ثم تناول مسألتي الاحتياجات «الضرورية»، و«الكماليات». فيقول: «لا يجب إطلاق مبدأ (العرض والطلب)، وجعله أساس كل المعاملات.. على حدٍّ سواء، غير فارق بين الضروريات وغير الضروريات؛ أي بين الحاجيات والكماليات».. مشيراً إلى أن «الكماليات؛ (مثل التأنق في المأكل والمشرب، والبذخ في لبس الوشي وسُكنى القصور) حق لمن يستطيع،.. فكل ذلك هو مسألة تراضٍ؛ أي مسألة عرض وطلب». ولكن الحاجات الضرورية؛ مثل الأكل والشرب والمسكن.. التي لا يمكن الاستغناء عنها، وإلا تقوَّضت أركان المجتمع.. فلا يجوز أن يُقال عنها، إن المسألة مسألة «عرض وطلب»، تخضع للتراضي، «كالتراضي على ثمن خاتم من الماس وثوب قشيب».

ثم تحدَّث «شميل» عن استغلال أصحاب العقارات.. لزيادة الطلب على المساكن، وذلك بزيادة القيمة الإيجارية، ويكون على السكان الاختيار.. بين القبول بالزيادة، أو الطرد؛ «فيضطرُّون لقبول أحد الشرَّين، وإلا عرَّضوا أنفسهم لشرٍّ ثالث، وهو قضاء القانون عليهم.. بناء على مبدأ العرض والطلب؛ المُعتبَر للمالك حقًّا مقرَّراً».

ويقول «شميل» «إن أكثر الحكومات – حتى تلك التي نظن بأنفسنا.. أننا أرقى منها ـ تهتم بالأمر. وأما نحن، فنأكل الرغيف ممزوجاً بالتراب ونشارة الأخشاب، ويتقاضون أسعار المآكل كما يشاءون، ويتحكمون في أجور المنازل، وينصرهم القانون؛ وما ذلك إلا لأن شرائعنا صارت – بهذا التحوير والتبديل – نتفاً من شرائع غير ناضجة، وحكومتنا خليطاً من حكوماتٍ مُتنابزة».

ويختتم «شميل» مقاله.. مخاطباً الشاكين: «أنتم مُحقُّون في شكواكم.. ومظلومون..، وظالمكم (هو) حكامكم وشرائعكم، فلا تنحل عزائمكم،…..، حتى إذا كثر عددكم، واشتد تضامنكم. ولم يُنصفكم الذين يجب عليهم أن يهمَّهم أمركم. كان لصوتكم صدًى فوق كل صوت، وليدكم مدًى فوق كل يد».

لا يفوتنا التنويه أن «الشيخ على يوسف» – صاحب صحيفة «المؤيد»، الذي لم يكن اشتراكياً، ولا ملحداً ـ لم يكن يمانع في نشر مقالات رجل.. يخالفه في الرأي والعقيدة، ويوصف بـ «الملحد»، و«الاشتراكي».

وفي سياق آخر – ولكنه متصل – في دفاعه عن الاشتراكية.. التي تحقق الأمن المجتمعي، يقول «شميل»: «إن شدة التباين بين الناس… تفقدهم الصلة في ما بينهم.. في كل أمورهم المعاشية، فتسوء حال الأفراد، ويتزعزع كيان الاجتماع ( المجتمع). قصور فخيمة.. بجانب أكواخ حقيرة. أحياء قذرة.. وأناس بمطارف من خز (ثياب فاخرة)، بجانب آخرين.. بأسمال بالية. وأصحاء تكنفهم كل أسباب الراحة.. بجانب مرضى ينقصهم.. حتى القوت الضروري؛ فتنتشر الأمراض والأوبئة، وتكثر الجنايات والقلاقل، وتخرب الأرض، ويمتد ذلك من المجتمع الواحد.. إلى باقي المجتمعات…».

«أنا واحد وهم ألوف»

بعد وفاة «شبلي شميل».. بنحو ربع القرن، كتب «العقاد» – في عام 1941 – مقالاً، روى فيه أن في مطلع القرن، طبع «شبلي شميل» مجموعة أعماله في جزأين – بمعونة وتبرع أصدقائه ـ وكان ثمن المجموعة الواحدة جنيهاً مصرياً.. عدا أجرة البريد، وهو ثمن معتدل، بالنسبة لتكلفة طبع الكتاب، ولقيمة محتواه. ويقول «العقاد»: «ولكن الجنيه ثمن مرهق للشباب.. الخالي من العمل، وكنت يومئذ خالياً من العمل.. مريضاً أستشفي ببلدتي أسوان، وأشعر بما يشعر به المريض الخالي اليدين.. من تكاليف العلاج. فكتبت إلى الدكتور ( شبلي).. ما فحواه: (إني أعلم أنك تدعو إلى الاشتراكية الصالحة، التي تتجنب الغلواء، ومعنى ذلك أنك تأبى على الأغنياء أن يحتكروا موارد المال، فما بالك الآن تريد أن يحتكروا موارد العلم والمال معاً، وهل تحسب أن أحداً من غير الأغنياء.. يقوى على شراء كتاب بجنيه؟)».

ويواصل: «فما هو إلا أن وصل الخطاب إلى الدكتور، ووصلت الصحف اليومية إلى أسوان، حتى قرأت فيها.. أن الدكتور شميلاً قد أهدى مائة نسخة من مجموعته.. إلى الأدباء والطلاب. ولم يمضِ يوم أو يومان، حتى جاءني الجزء الأول.. ومعه خطاب منه، يشبه الاعتذار.. لما فاته من ذكر هذه الحقيقة، بغير تذكير. ويشبه الشكر.. على أنني قد نبهته، إلى ما كان خليقاً أن يتنبه إليه! 

هذه قصة عارضة، تلخص مناقب هذا الرجل الحر الصريح الشريف.. أوفى تلخيص؛ فهو عالم يحب العلم والتعليم، ويعمل بما يقول، ويؤمن بالحجة المقنعة.. ولو كانت فيها خسارة عليه، ثم يبادر إلى العمل بما يقتضيه ذلك الإيمان، وليست مائة جنيه.. بالخسارة الهينة، على رجل محدود الموارد.. كانوا يحاربونه في رزقه، وفي طبه، وفي مؤلفاته.. وإن كان كسب الألوف».

ويختتم «العقاد»: «فإذا كان صواباً.. قول بعض الأدباء المازحين للدكتور: (إنك يا صاح نكبة على الناس، لأنك تخالفهم في كل ما يقولون).. فأصوب منه، جواب الدكتور على تلك التحية الجافية. حيث قال: (إن كنت أنا نكبة على الناس.. لأنني أخالفهم، فكم نكبة أعانيها وحدي.. من أولئك الناس، وأنا واحد وهم ألوف؟)». ا.هـ

كان «شبلي شميل» أقرب ما يكون لنموذج «جرامشي».. عن «المثقف العضوي»، قبل أن يولد «جرامشي» نفسه؛ عاش أفكاره، ومارس قناعاته عملياً.. بأكبر قدر ممكن من الشفافية والوضوح. دافع عن المعنى الحقيقي للاشتراكية – كما يفهمها ويتمناها – في مواجهة الجهل بها، الذي يجعل الناس تنفر منها، والإنسان عدو ما يجهله.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة