نيفين مسعد
لا تتغير طقوس أسرتي الصغيرة.. في وقت مباريات كأس العالم. الحديث الطويل عن دور المجموعات، وتشكيلها، وجدول المباريات.. وتواريخها. الاشتراك في قناة فضائية.. من تلك القنوات التي تذيع الحدث الرياضي المهم. تأميم تلفزيون الصالة.. بالمعنى الحرفي للكلمة، فلا صوت يعلو على صوت المعلقين الرياضيين، مع الاهتمام بصيانة المروحة.. لأن البعض لا يستلطف التكييف. ولا ننسى موضوع شراء ألبوم لصور اللاعبين في كأس العالم، والتربيط المبكر مع الأقارب والأصدقاء.. لتبادل الصور المكررة، فالباعة الخبثاء.. يضعون في كل علبة صورة جديدة – أو صورتين فقط – والباقي كله مكرر. وإلى جانب الطقوس المعتادة – في مولد كأس العالم – أضيف هذا العام طقس جديد، هو توزيع ورديات المشاهدة بين أفراد الأسرة.. بسبب فرق التوقيت. صحيح أن المصريين يعشقون السهر، لكن كل شيء له حدود… فين أيام قطر؟
أكثر فترة أحس فيها بغرابتي الشديدة.. مقارنة بالآخرين، هي خلال مباريات كأس العالم. ذلك لا ينفي أنني أحس ببعض الغرابة أيضاً.. أثناء مسابقات الدوري، والكأس.. المصريين. وكأس أوروبا، وكأس الأمم الأفريقية. لكن المسألة – في النهاية – نسبة وتناسب؛ فكأس العالم يخص الكوكب. لا أهتم بالكرة، ولا أعرف أسماء مشاهيرها.. باستثناء ابننا محمد صلاح، وكام اسم آخرين.. من باب أن التكرار يعلم الشطار. ووجهة نظري، أن الحياة في هذا الزمن.. فيها من التوتر.. ما لا يحتاج إلى مزيد. وقد جربت أكثر من مرة.. أن أشاهد مباريات الفريق الوطني، ووجدت نفسي أنفعل.
وعلاوة على ذلك، فإنني أعتبر أن عبارة «الكورة أجوان» – التي كثيراً ما سمعتها من المعلق الشهير محمد لطيف، وكان لطيفاً بالفعل – تلخص بكل بساطة.. مغزى لعبة كرة القدم. وبالتالي أكرر دائماً أنني لا أفهم.. لماذا يتفاجأ اللاعبون – حول العالم – بتسديد الأهداف، وكأنه حدث غير متوقع؛ فيسجدون، أو يرشمون الصليب، ويتعانقون ويرقصون. بينما هذه هي طبيعة عملهم. فكما أن وظيفة الأكاديمي مثلاً.. أن يبحث ويحلل، ووظيفة العالم.. أن يخترع ويبتكر، كذلك فإن وظيفة لاعب الكرة.. هي أن يسدد الأهداف، ويسعد الجمهور. فهل رأينا في حياتنا أكاديمياً أو عالماً.. يأخذ زملاءه بالأحضان، لأنه كتب بحثاً مميزاً، أو اخترع اختراعاً جديداً؟ عدا سبعاوي – أو فؤاد المهندس – في فيلم «عائلة زيزي»؛ الذي اخترع ماكينة تحول القطن لقماش.. فانتابته فرحة عارمة، وأخذ جميع أفراد البيت بالأحضان.
لم أصادف موقفاً مشابهاً.. لا في الحياة، ولا في السينما. لدرجة أن محمود الزهيري – أو الدكتور عبدالجواد أيوب، في فيلم «واحدة بواحدة» – اخترع الفنكوش بهدوء تام، وما أدراكم ما الفنكوش. وهذا بالضبط سر شعوري بالغرابة؛ فالقريب والبعيد، والمتعلم وغير المتعلم، والغني والفقير، والنساء والرجال.. كلهم كلهم، يشاهدون الكرة، ويشجعون بجنون. وفي مصر، لا تخلو المسألة من مبالغة؛ يستعد المشجعون بالزي الفرعوني.. عند تشجيع الفريق الوطني، حتى لو كان يلعب في آخر الدنيا. وصدقاً، لا أعرف من أين يأتون به.. في تلك البلاد البعيدة. أما «ليفربول».. فهو اسم لكثير من محلات الفول والطعمية، ويعود ذلك لمحمد صلاح.. الذي كان سبباً في تمصير الفريق البريطاني الشهير. والانطباع العام عن المصريين، أنهم مهووسون بالكرة. ولذلك، فمتى سافرت لأي بلد عربي يتكرر سؤال: أهلاوية ولا زملكاوية؟ فأرد: باحب الأهلي لكن ما باتفرجش على الكورة. كيف يعني؟.. تربك إجابتي السائل، وعادة ما يحتاج الموضوع إلى شرح.
في ليلة لقاء المنتخب الوطني.. مع فريق نيوزيلندا، كانت مشاعر أفراد أسرتي مسنونة كالرماح.. كما هي العادة. قرار جماعي بعدم مشاهدة الماتش.. تحسباً للنتيجة، لكن عندما استيقظت عند الفجر، كان البيت كله يجلس في الصالة. تذكرت الجملة الشهيرة لعادل إمام: «سايبين الشقة كلها، وقاعدين في أوضة واحدة». بعد ذلك فهمت أن مصر كلها.. قضت ليلتها في صالة واحدة. ابتسمت، لكن الموقف لم يكن يحتمل المزاح، فالوجوم واضح على الوجوه. كام كام؟ سألتهم، فردوا: مغلوبين واحد صفر. توترت وانسحبت. من أسراري الصغيرة.. أن لديَّ عقدة شخصية من مدينة فانكوفر الرائعة، ففي كل مرة خططت لزيارتها – مع ابنتي – في كندا حالت أسعار الطيران الداخلي.. المبالغ فيها بيننا وبينها. والآن صارت العقدة الواحدة عقدتين.
في العادة، ينبئنا الشارع بكل شيء، ويلخص لنا – بضجيجه وحركته – حكايات العمائر والناس وكل المخلوقات. زغاريد النجاح، والأذانات المتتالية – وأحياناً المتداخلة – وبمب العيد، وعبارة «أنت الكريم يا رب».. يعلن صاحبها أنه جاهز لسن السكاكين. نداءات الباعة، ونباح الكلاب، وشجار الأطفال، ونحيب يأتي من بعيد. وعلى فترات متباعدة.. صرخة «امسك حرامي» تتردد، يليها صياح. أيامنا هي مزيج من كل هذه الأصوات والأحداث والانفعالات.
أما حين يلعب الفريق الوطني، ويكسب فصوت الفرحة يكتسح. مستحيل أن يفلت أحد من هذا الشعور الجارف.. الذي يجتاح الوطن من الحد إلى الحد؛ كأن الهدف الذي يحرزه المنتخب.. يوصل الكهرباء لأوصال الجميع.. من نفس المحول. تعادل منتخب مصر مع نيوزيلندا، تقدم، تقدم جداً.. المصريين أهمه، حيوية وعزم وهمة.
الهيستريا تنتقل من الشارع المزدحم بالمحتفلين، إلى صالة بيتنا. ولم ينقصنا إلا الكلاكسات. جلست وسطهم. شيء لا يصدق.. مدرجات فانكوفر تحولت – في غمضة عين – إلى صورة مصغرة.. من استاد القاهرة؛ أعلام وغناء ورقص وأحضان.. من مصريين وعرب وأجانب. رسائل التهنئة على الواتساب.. في التو واللحظة، من لبنان والعراق والجزائر واليمن. أما فيديو أهل غزة، وفرحة أهل غزة.. بفوز مصر، فإنه يخلع القلب.
… من أين أتى هؤلاء العفاريت.. بالشاشة الضخمة التي تضوي وسط الركام؟ من أين تشبعت الأرواح المحبطة.. بكل هذه القدرة على الابتهاج والفرح، والاحتفال بالأشياء الصغيرة!؟ إنه جزء من عبقرية غزة. أحببت المشهد بكل تفاصيله.. أحببته جداً.
في الصباح، وبمناسبة قرب مباراة مصر مع إيران، توالت النكات المصرية.. كالعادة، ومنها ما لا يخرج إلا من أحد أبناء كار السياسة: الإيرانيون يهددون بغلق مضيق هرمز.. إذا فاز المصريون!!! مممم… بدأت أفكر جدياً في مشاهدة لقاء الفريقين المصري والإيراني.. بحجة متابعة التطور في وضع المضيق.
نقلاً عن «الشروق»