زياد بهاء الدين
دُعيت من رئيس مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، لحضور إطلاق «النسخة الثانية» من وثيقة ملكية الدولة. وكانت جلسة للتقديم والتعريف، لا النقاش التفصيلي، ولكن طلب السيد رئيس الوزراء في نهايتها.. تقديم مقترحات بشأنها خلال شهر. ومن جانبي، أعرض هنا وجهة نظري.. لعلها تساهم في هذا الحوار.
للتذكرة، فقد أطلقت الحكومة عام 2022 مستنداً تفصيلياً، أطلقت عليه «وثيقة ملكية الدولة».. باعتباره إعلاناً عن سياسة الحكومة لموضوعين رئيسيين؛ خطة التخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية. والخطوات اللازمة لتحسين المناخ التنافسي.. بين الدولة والقطاع الخاص (الحياد التنافسي).
ودون الرجوع إلى تفاصيل الوثيقة الأولى، أكتفي بأنني عبَّرت وقتها – كتابة وحديثاً – عن تحفظي على كونها شديدة التفصيل بأكثر مما ينبغي.. بالنسبة لمستهدفات التخارج. وأنها عبَّرت عن أهداف مهمة وأفكار قيِّمة، ولكن لم تتضمَّن آليات تنفيذية. وللأسف، أنه لم يكد يتحقق منها أي شيء، ولم تجد صدى في الواقع الاقتصادي.. إلا القرارات المتعلقة بالمساواة الضريبية بين الدولة والقطاع الخاص. هذه خلفية ضرورية.. لتعليقي على النسخة الثانية، وأقسمه باختصار إلى مزايا واقتراحات:
المزايا أنها (1) وثيقة جديدة، وليست تعديلاً في النص السابق؛ لأن العدول عنه بالكامل.. أفضل من محاولة تصحيحه. (2) أنها مختصرة، وتعبِّر عن مبادئ واتجاهات.. بدلاً من المستهدفات المحددة، والنسب المئوية في التخارج. وهذا ما يتفق مع كونها وثيقة سياسة عامة، وليست برنامجاً تنفيذياً. (3) أنها أضافت ركناً جديداً بالغ الأهمية؛ وهو حوكمة إدارة الأصول العامة، بمعنى أنها لم تعد معنية بالتخارج فقط، وإنما أيضاً بحسن إدارة الدولة للشركات والأنشطة التي تمتلكها.. طالما بقيت مساهمة فيها. و(4) أنها حاولت وضع هيكل تنفيذي.. أكثر وضوحاً، تشترك فيه جهات متعددة من الدولة؛ على رأسها وحدة مركزية.. منشأة حديثاً بمجلس الوزراء، والصندوق السيادي، وجهاز حماية المنافسة، إلى جانب الجهات الاستشارية والفنية.. من القطاع الخاص.
هذا للإنصاف فيما تضمَّنته الوثيقة – في شكلها الجديد – من تقدم وتحسين عن النص السابق. ولكن في هذا الإطار، فلدىَّ بعض المقترحات: (1) أضعف ما في الوثيقة الجديدة.. أنها تسعى – وبإلحاح شديد – لتبرير عدم نجاح تطبيق النسخة السابقة، وهذه نقطة ضعف شديدة.. لأنها تدخلنا في مناقشات جانبية غير مطلوبة، كما أنها تعرقل النظر للمستقبل. (2) اللغة المستخدمة ثقيلة للغاية، بما يجعلها أقرب للكتابة الإنشائية.. لا البرنامج العملي الحديث، الذي يتوقعه القراء والخبراء في هذا العصر. ولو تخيلتموها مترجمة إلى اللغة الإنجليزية.. لمخاطبة المستثمرين الأجانب؛ فإنها ستبدو عتيقة، ومن عصر مضى. (3) أما من حيث المضمون، فإن الوثيقة فيها كل الأهداف النبيلة والأفكار الجيدة، ولكن تحتاج لترتيب أولويات، وأيضاً بعض المستهدفات المحددة، وإن كان ليس بالتفصيل الذي أفسد النسخة الأولى. (4) فيما يتعلق بالحياد التنافسي، فإنها تعول تماماً على جهاز حماية المنافسة، بينما المسؤول عن هذا الموضوع.. هو الدولة بأكملها، وكل أجهزتها. (5) وأخيراً، يظل التحدي الأكبر.. وهو المصداقية. فقد شهدنا إطلاق وثيقة أولى، وبرنامج 2030، وسردية.. احتلت المشهد، ثم اختفت من الساحة. وحوارات كثيرة، ولكن ما ينقصنا.. هو الاطمئنان إلى أنه – في هذه المرة – ستكون هناك جدية أكبر، والتزام واضح، ونتائج محددة.. ولو متواضعة. وهذا يحتاج – ربما – جدولاً زمنياً مسبقاً، أو تقريراً دورياً متاحاً للجميع.. عما تم وما يجري الإعداد له.
مع شكري للدعوة لحضور ندوة إطلاق النسخة الثانية، وتمنياتي للقائمين عليها – وعلى الاقتصاد المصري – بالنجاح والتوفيق.
نقلاً عن «المصري اليوم»