تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

فنان أحب الحياة

M.Adam
مودي حكيم  

مودي حكيم

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، سنحت الفرصة لزيارة ولقاء.. أشهر وأغنى فنان تشكيلي في العالم، قبل أن تنقل لي الأنباء – قبل أيام – خبر وفاته.. الفنان الرائد دافيد هوكني؛ الرسام ذو الشعر الأشقر المصبوغ، المنحدر من يوركشاير.. بلوحاته التي تُجسد جمال كاليفورنيا، تحت أشعة الشمس. فهو لم يتوقف يوماً عن كسر الحواجز، ليصبح أحد أهم الشخصيات في الفن المعاصر.. مجسداً روح العالم الحديث، على مدى مسيرة فنية امتدت لسبعة عقود؛ استكشف فيها فن البورتريه الكلاسيكي.. وأعاد ابتكاره، ورسم المناظر الطبيعية، وفن البوب.. مستخدماً الرسم، والكولاج، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم الرقمي. صاحب البورتريهات الشهير، ولوحات البرك المتلألئة، ورسوماته الملونة على الأيباد.. أيقونات للفن المعاصر. يمزج هوكني بين براعة فائقة في الرسم، ودقة الملاحظة، وفهم عميق لتاريخ الفن، فضلاً عن إلمامه بالتكنولوجيا الحديثة. يعكس إنتاج ديفيد هوكني الفني الخالد.. شغفه العميق بالحياة، وفضوله الاستقصائي.. الذي يتجسد في عبارته الشهيرة «أحب الحياة».

التقيت الفنان – الذي تقدَّر ثروته بنحو 200 مليون دولار أمريكي – بمناسبة معرضه الاستعادي الكبير.. في باريس العام الماضي، وقد خصصت مؤسسة ودار لويس فويتون لفنون الأزياء في باريس.. جميع صالاتها الإحدى عشرة لأيقونة الفن: ديفيد هوكني. اقتربت، وانبهرت بالفنان البريطاني الأنيق، ومظهره الفريد.. الذي يجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الغريبة.. وذوقه الجريء، حيث يفضل البدلات الفضفاضة.. ذات الألوان الزاهية، ونظارته الطبية ذات الإطارات الكبيرة والسميكة.. التي تمنحه طابعاً فنياً.، ورغم عمره الذي قارب وقتها الثامنة والثمانين، كان ودوداً. عكست حيويته، ولغة جسده، وطريقة وقفته.. مزيجاً من الهدوء والثقة بالنفس، وتأمل الفنان المتألق، الذي أحدث فضوله الجامح.. ثورة في عالم الرسم.

قدَّم الفنان البريطاني – المولود عام 1937 – أكبر معرض استعادي لأعماله، بعد المعرض الذي استضافه مركز بومبيدو عام 2017. قدَّم المعرض الذي حمل عنوان «ديفيد هوكني 25» النطاق الكامل لأبحاثه التصويرية – التي تتسم بالروح المرحة والعمق المعرفي – من خلال 400 عمل فني.. أُنجزت بين عامَي 1955 و2025. أتاح المعرض فرصة لاستكشاف جوانب أقل شهرة.. في مسيرته الفنية. قاده ابتكاره لمفهوم المنظور.. إلى الصين. فهو يرى أن المنظور الخطي لعصر النهضة.. جامد للغاية، ولذا سعى – طوال مسيرته الفنية، إلى التحرر منه؛ ليتمكن من نقل إحساسات المشاهد المتحرك.. بشكل أفضل. 

في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، طوَّر هوكني مبدأ «المنظور العكسي».. بعد اكتشافه المنظور الصيني، غير المتناظر. ثم قام برحلة عبر الصين – متتبعاً مسار مخطوطة صينية غامضة.. من القرن الثامن عشر – تلك التي أنتج عنها فيلمه الوثائقي «يوم على القناة الكبرى مع إمبراطور الصين».

… ولأن الماء يشكّل الموضوع الرئيسي.. في سلسلة لوحات هوكني عن المسابح. جذبني هذا الجزء المخصص للوحات الفنان عن المسابح.. في إحدى القاعات الإحدى عشرة؛ يذهلك كيف رسم الماء، والأشكال داخله، من تعدد الطبقات والضوء والعمق. ففي هذه اللوحات – التي تُجسِّد لحظاتٍ عابرة من الحياة – تُخلَّد في الزمن. وباستخدام دلالات ثقافية متشابكة، يستغل هوكني رمزية الماء.. المتمثلة في سيولته، وتوتره.. في آنٍ واحد. 

تتميز مسابح هوكني الأمريكية.. بأجواءٍ مشحونة جنسياً، ويعود ذلك إلى تداخل السطح والعمق في اللوحة. هذا التناقض الداخلي.. هو الاستعارة الأمثل للتعبير الجنسي للرجل المثلي، في ستينيات القرن العشرين. فالفعل الجريء.. المتمثل في كسر سطح الماء – برشة ماء – يُعد تعبيراً عن رغبة جنسية حرة. وتحت غطاء الماء الرقيق، يظهر السباح.. وكأنه مُغطى جزئياً، بينما يكشف جسده.. في لحظات من الشفافية. وبهذه الطريقة، يستطيع الرجل المثلي اختبار حدود تعبيره الجنسي.. مع البقاء ضمن حدود المجتمع.

من المؤكد أن مسابح هوكني، تُشير إلى البيئة الليبرالية.. التي وجد نفسه فيها في كاليفورنيا خلال الستينيات. يمكن القول إن لوحات مثل «صورة فنان»، «بركة مع شخصيتين».. تشهد على استكشاف ذاتي للصداقة. تُعد برك ديفيد هوكني.. مساحات تعبيرية واستكشافية وجريئة، استكشفها الفنان طوال مسيرته الفنية، التي امتدت لما يقارب ستين عاماً. ويبدو أن نظرة عابرة من أعلى.. إلى تلك البرك المتلألئة عام 1964، قد أثّرت في جيل كامل من الثقافة الشعبية.. في المجال الفني.

كانت لوحاته لحمامات السباحة في لوس أنجلوس، أشبه بمنظر طبيعي غريب.. مقارنةً بلندن الباردة والكئيبة. كانت تلك الفترة المفضلة لديَّ من أعماله، أحببت أيضاً أسلوبه الجريء والملون.. في التسعينيات. وكنتُ أعشق رسوماته.. منذ دراستي للماجستير بالأكاديمية الملكية (رويال أكاديمي) بلندن. الخطوط، والبراعة في الرسم، والمساحة.. كانت تُظهر بوضوح.. مدى براعته. 

لقد أبدع مجموعة أعمال رائعة. لا أستطيع القول إنني أحببتها كلها، لكنني معجبٌ بإصراره على الرسم دون انقطاع. كان الفن يتنفس في داخله.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة