Times of Egypt

ما أتعسه من نصر!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبدالله عبدالسلام

في الماضي، كانت الأمور واضحة. من ينتصر عسكرياً، يحصد كل شيء. 

بمجيء القرن العشرين لم يعد الأمر كذلك.. يمكنك الفوز عسكرياً، والخسارة سياسياً؛ في العدوان الثلاثي عام 1956، تلقت مصر ضربات عسكرية مؤلمة، لكنها – في نهاية المطاف – فازت سياسياً. استردت قناة السويس وخرج عبدالناصر أقوى وأكثر نفوذاً. بدأ نجم الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها (بريطانيا العظمى).. التي تآمرت لشن العدوان، يخبو إلى أن تلاشى. 

التاريخ يكاد يعيد نفسه مع إيران. تآمرت عليها القوة العظمى الوحيدة (أمريكا).. مع إسرائيل. جرى تدمير 85% من قدراتها العسكرية والنووية والصناعية. عشرات القادة والمسؤولين جرى اغتيالهم. لكن الحروب تُقاس – في نهاية المطاف – بنتائجها السياسية، وليس بإحصاءات ساحة المعركة.

بدأت الحرب 28 فبراير الماضي.. بإنذار من ترامب: استسلام إيراني غير مشروط. 

لكنها انتهت.. بوقف إطلاق نار غير مشروط، تم تمديده لصالح المفاوضات. الباحث الأمريكي كليفورد ماي يقول: «حكام إيران لا ينتصرون في ساحات المعارك، لكني لا أذكر أنهم خسروا يوماً في المفاوضات». 

مارس الإيرانيون أسلوب السوق (البازار)، أي المساومة المستمرة والدؤوبة. بمرور الوقت، أُصيب الأمريكيون بالإنهاك. النتيجة مذكرة تفاهم فضفاضة.. يمكن تفسيرها بأشكال شتى. ليست معاهدة استسلام.. كما أراد ترامب. لكنها أقرب إلى مساومة بين أنداد. كل طرف يُعطي بمقابل. ومع ذلك، من الصعب وصف المذكرة بالاتفاق. تقريباً، كل القضايا المهمة.. تم ترحيلها لمفاوضات تستغرق 60 يوماً. وعلى الأرجح سيتم تمديدها مراراً. البت في البرنامج النووي والصاروخي والدور الإقليمي لإيران.. تأجل. 

خلال المفاوضات المقبلة، سيضيق هامش المناورة أمام ترامب؛ انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر تقترب. الخوف من تردِّي الوضع المعيشي للأمريكيين – لو تجددت الحرب – يشل تفكيره.

حليفه نتنياهو – الذي أقنعه بالحرب، وقبلها بإلغاء اتفاق أوباما النووي 2015 – في وضع وصعب للغاية. نعم، حقق إنجازات عسكرية، لكن هدفه – وهو إسقاط النظام الإيراني – لم يتحقق؛ إسرائيل في عهده أصبحت «تابعة» لأمريكا.. بشكل غير مسبوق. القرارات الكبرى الخاصة بها.. يتم اتخاذها بواشنطن. 

إيران – من جانبها – استخدمت أوراقها جيداً؛ سواء بشأن مضيق هرمز، أو تهديد مصالح أمريكا في المنطقة، ومهاجمة الجيران. نظامها السياسي أثبت صلابته، وقدرته على انتزاع المكاسب. أجاد بشدة.. الاستفادة من الورقة اللبنانية.

لكن الحديث عن انتصار طرف على آخر.. أقرب إلى الوهم؛ ترامب لا يتوقف عن تأكيد انتصار أمريكا. مع أنه ظل أسابيع.. يتسول موافقة طهران على بنود المذكرة، التي تتعامل مع إيران على قدم المساواة. 

نتنياهو يدَّعي النصر أيضاً؛ زاعماً أن إسرائيل فرضت شروطها، وقضت على البرنامج النووي الإيراني، وتهديد حزب الله. لكن الواقع يقول غير ذلك. النووي قيد التفاوض، والحزب يواصل المقاومة.

أما إيران، فإن ما تكبَّدته من خسائر بشرية ومادية.. غير مسبوقة، يجعل رفع شعار النصر مبالغاً فيه. الأطراف كلها تخرج مثخنة بالجراح. كلامها عن النصر للاستهلاك المحلي والدعائي. وكما يقول الفيلسوف الروماني سينيكا: «لا شيء أكثر تعاسة من النصر». خاصة إذا كان نصراً وهمياً، كما أعتقد. أحوال الشعوب بعد الحروب.. هي التي تحدد ما إذا كان ما حدث.. نصراً أم وهماً.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة