سمير مرقص
قبل ثلاثين سنة، وتحت مظلة العولمة، تنامى بصورة ملحوظة.. نشاط الشركات العابرة للحدود أو المتعددة الجنسية (أو المتعدية الجنسية). فلقد كان لتلك الشركات – باعتبارها الذراع الرئيسية للعولمة الاقتصادية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة – الكثير من الآثار على المجتمعات والدول.
نعم، استطاعت أن تؤمِّن تدفقات استثمارية، وفرص عمل وتكنولوجيا.. لدول الجنوب. وفي الوقت نفسه، أن تكون باباً لتلك الدول.. إلى الأسواق العالمية.
إلا أنها في المقابل، أوجدت درجة من درجات التبعية الاقتصادية. كما قيَّدت – بدرجة أو أخرى، حسب أحد المُنظرين في هذا المقام – قدرة كثير من الدول على الاستقلال الاقتصادي، وبالتالي توجيه وإدارة سياساتها التنموية. لذا، في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعددت المراجعات التقويمية حول الآثار المختلفة للشركات المتعددة الجنسية.. على دول الجنوب/العالم الثالث. وتُبيَّن كيف أثرت سياسات العولمة سلباً – من خلال الشركات العابرة للحدود – على الكثير من المجتمعات حتى في دول المركز الرأسمالي.
ولعل من أهم الآثار السلبية.. التي طالت كل السياقات المجتمعية دون استثناء، هو تنامي الفجوة بين الأغنياء والفقراء، أو ما بات يُعرف بـ «اللامساواة التاريخية» بين الطبقات/الدول؛ ما أدى إلى تنامي الفقر، وتفاقم المعضلات المجتمعية المختلفة.
في هذا الإطار، بدأت الشركات العملاقة في الاهتمام بما عُرف «بالمسؤولية الاجتماعية».. تجاه المجتمعات التي تعمل فيها، بغية تعويض الفقراء الذين ينتمون لهذه المجتمعات.. عن أضرار العولمة الشرسة. بيد أن أغلب النشاطات التي نُفذت في هذا السياق.. كانت في الأغلب تصب في الاتجاه الخيري الإحساني الإعاني «Charity»؛ حيث تتم تلبية الاحتياجات الملحة.. دون التعاطي مع جذور المشاكل. وعليه انتقد الكثيرون هذا المفهوم القاصر والمحدود والضيق.. للمسؤولية الاجتماعية. ما فتح حواراً واسعاً في السنوات الأخيرة حول الدور الاجتماعي للشركات. إذ أدرك فيه رجال الصناعة والمال والأعمال.. أن من مصلحتهم تبنِّي رؤية أخرى، لجعل الاقتصاد العالمي أكثر إنسانية، أو بالأحرى ترويض الرأسمالية الشرسة. ما استوجب تجاوز رؤية الاقتصادي الأمريكي الشهير ميلتون فريدمان (جامعة شيكاغو)، القائلة «بأن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة للشركة، هي مضاعفة أرباحها». وفي أحسن الأحوال، تقديم بعض الخدمات الخيرية الطابع.
وبالفعل، بدأت بعض الشركات تعمل على الانتقال من النشاط الخيري.. إلى العمل التنموي. حَكَم الشركات – في توجهها الجديد – قناعة بأن الشركات الناجحة.. هي التي تدرك أن استمرار أرباحها، مرهون برضا وتنمية المواطنين، وسلامة المجتمع، واستدامة البيئة التي تعمل فيها.
تبنت الشركات العملاقة مع مطلع هذا القرن، رؤية جديدة.. عُرفت علمياً «بالمواطنة الشركاتية Corporate Citizenship»، حيث تدعم الشركة أو مجموعة شركات (من النوع العملاق) المواطنة في المجتمعات التي تعمل فيها. وينطلق هذا المفهوم من فكرة أساسية هي أن نجاح الشركات يرتبط بمدى ارتباطها بالتنمية المجتمعية والمواطنية والبيئية. لذا صارت حزمة الأهداف الـ117 الرئيسية (والـ169 الفرعية) للتنمية المستدامة « Sustainable Development Goals»؛ لتكون المسطرة التي تقيس بها الشركات.. مدى ما يمكن أن تُسهم به في تنمية المواطنين، والمجتمعات، والبيئة. ومن ثم ركزت الشركات على ثلاثية: البيئة، والمجتمع والحوكمة: Environmental Social Governance. واستلزم ما سبق.. إعادة النظر في الكثير من المفاهيم والأفكار والعلاقات؛ مثل إعادة تعريف العلاقة بين النمو الاقتصادي والتنمية، وبين المصالح الفردية والمصلحة العامة، علاقة الكيانات الاقتصادية والاستثمارية.. بالتطلعات التنموية المستدامة،…، إلخ.
ونظراً لتعرُّض منظومة التنمية العالمية.. إلى توقف بعض الحكومات عن تقديم الأموال والمعونات، ما أدى إلى عدم القدرة على إنجاح خطط التنمية المستدامة، وترتب عليه.. أن أكثر من 80% من أهداف التنمية المستدامة لم يتحقق.. حسب الأمين العام للأمم المتحدة، يطرح مارك سوزمان – الرئيس التنفيذي لمؤسسة بيل جيتس، من خلال مقالة مطولة في دورية الفورين أفايرز.. مطلع يونيو الماضي (أشرنا إليها في مقال الأسبوع الماضي) – عنوان المقال «نهاية المساعدات الخارجية ليست نهاية التنمية»؛ رؤية تحث على ضرورة الأخذ بما أطلق عليه.. الاستثمارات التنموية الجوهرية: الذكية والإنتاجية والابتكارية؛ بهدف تعظيم القدرات.
… إذ إن التنمية في القرن الحادي والعشرين، لن تتحقق عبر زيادة الإنفاق، أو التوسع في الاقتراض فقط، وإنما عبر بناء منظومة استثمارية ذكية.. تركز على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، ورأس المال البشري؛ فالدول التي تستطيع تحويل الاستثمارات إلى أدوات لإنتاج المعرفة والقيمة المضافة، ستكون الأقدر.. على تحقيق النمو المستدام، وتعزيز سيادتها الاقتصادية. ولا تقتصر تلك الاستثمارات الذكية على معالجة المشكلات الآنية، وإنما تبني – في الوقت نفسه – القدرات الإنتاجية والمؤسسية والبشرية.. التي تمكن الدول من إدارة شؤونها التنموية بنفسها مستقبلاً. فالصحة والتعليم، والبحث العلمي والبنية الأساسية والابتكار.. ليست – في نظره – بنوداً استهلاكية، أو أعباء على الموازنات العامة. بل هي استثمارات طويلة الأجل.. في رأس المال البشري، وفي القدرة المجتمعية.. على إنتاج الثروة والمعرفة.
وتقود هذه الرؤية إلى إعادة تعريف العلاقة.. بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية؛ فهما – في نظر «سوزمان» – ليسا مسارين منفصلين أو متنافسين، بل يمثلان وجهين لعملية واحدة. فالاستثمار في الصحة والتعليم، والحد من الفقر.. لا يحقق فقط أهدافاً اجتماعية وأخلاقية، وإنما يسهم أيضاً في رفع الإنتاجية وتوسيع الأسواق، وتعزيز قدرة الاقتصادات الوطنية على النمو الذاتي. ومن ثم، فإن الإنفاق على البشر ليس بديلاً عن التنمية الاقتصادية، بل أحد شروطها الأساسية.. وبلغة أخرى، لم يعد الأمر يرتبط بكمية الأموال المتاحة، بل بقدرة المجتمعات والدول.. على توظيفها في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة واستدامة. وفي ذلك، فإن نجاح التنمية في المستقبل.. سوف يرتبط بقدرة الدول على اختيار الاستثمارات التي تصنع القدرات، لا تلك التي تكتفي بتمويل الاحتياجات الآنية.
ويخلص «سوزمان».. إلى ضرورة الانتقال من منطق المعونة إلى منطق التمكين، ومن تمويل الاحتياجات الآنية إلى بناء القدرات المستقبلية؛ فالعالم – في رأيه – قد يمتلك موارد أقل.. مما كان متاحاً في العقود السابقة، لكنه يستطيع رغم ذلك أن يحقق تقدماً تنموياً أكبر، إذا أحسن توجيه موارده نحو الاستثمارات الذكية.. التي تنمي الإنسان، وتقوي المؤسسات، وتطلق طاقات الابتكار والإنتاج.
وبهذا المعنى، فإن التنمية لا تبدأ حين تتدفق الأموال، بل حين تتحول الأموال المتاحة.. إلى قدرات ذاتية، تُمكِّن المجتمعات من صناعة مستقبلها بنفسها…
ونتابع في مقال الأسبوع القادم استعراض تجربة مؤسسة جيتس التنموية.
نقلاً عن «الأهرام»